السبت، 29 ديسمبر 2012

هذي أخرتها يا بنغازي...


في رواية (من مكة إلى هنا) للصادق النيهوم، كانت بنغازي حاضرةً في خاطر بطل الرواية وكأنها الخلاص – الملاذ الأول والأخير. فكثيراً عبر أحداث تلك الرواية – التي ربما لم أفهم منها سوى عنوانها! – كثيراً ما يُردد بطلها الصياد أنه سوف يعود إلى بنغازي وسوف تنتهي كل مشاكله، سوف يعود يوماً ما إليها وسوف تنتهي الرواية بكل ما فيها من معاناة. سوف يعود يوماً ما، سوف ينجو.

واليوم أجدني أتساءل: إذا كان الصادق النيهوم حياً وكتب هذه الرواية اليوم، فهل سوف يجعل بطلها يحلم بالعودة إلى بنغازي؟ أم أنه سوف يجعله يخرج بقاربه وينطلق عبر أمواج الهجرة غير الشرعية ليصطاد حياةً جديدة على شواطئ أوروبا؟

لا بد أنه لو كتب الرواية اليوم فهو سوف يجعل بطل الرواية يحلم بالعودة إلى بنغازي... مهما كانت الظروف... فالصادق النيهوم بنغازينو كان يتمنى أن يسبح عبر آلاف الأميال إلى بنغازي، كان يتمنى أن يهجر صقيع أوروبا لكي يتدفأ في بنغازي. أما بطل رواية (من مكة إلى هنا) فهو الآخر كان بنغازينو رمته تيارات الحياة على شواطئ خارج بنغازي... جميعهم سيحلمون بالعودة إلى بنغازي مهما كانت الظروف...

ولكن... لماذا غادر الصادق النيهوم بغازي، بل ليبيا كلها ولم يعد إلا ليُدفن في ثراها؟ ولماذا نتمنى اليوم كثيراً مغادرة بنغازي؟!

من السهل أن نقول بأن الوضع الأمني يطاردنا إلى خارج بنغازي، المداهمات والملاحقات والاشتباكات، وكل ما تحمله هذه الأحداث من رصاص وانفجارات... من السهل أن نقول ذلك... ولكني لا أظن أن هذا هو السبب، فكل أهل بنغازي اليوم اعتادوا من جديد على كل ذلك، أصوات الرشاشات وزلازل الانفجارات أصبحت مجرد أصداء خلفية عادية جداً في الحياة اليومية... أهل بنغازي اعتادوا من جديد على النوم وسط ضجيج العنف والدماء... ولكن المشكلة ليست في النوم، المشكلة هي في الحلم... لم نعد نستطيع الحلم ببنغازي... لم نعد نستطيع الحلم بالبقاء فيها، أو الحلم بالعودة إليها... إلى بنغازي التي قال عنها يوماً نزار قباني بأن: (تحت كل حجرٍ فيها يختبئ بيت شعر...) اليوم تختبئ تحت كل حجرٍ فيها رصاصة؟! أو ربما مازالت أبيات الشعر تحت الأحجار... ربما... لكن أبيات شعرٍ عماذا؟ غزل؟! فخر؟! مدح؟! أم رثاءٌ ورثاءٌ ورثاء؟! والرثاء ليس حلماً بالمستقبل، وإنما هو عزاءٌ في الماضي، ونحن اليوم، إن كنا نُعزي أنفسنا في ماضي بنغازي، فهذا يعني أننا لم نعد نستطيع الحلم بمستقبل بنغازي...

لم نعد نستطيع الحلم بذلك...

فاليوم المدينة التي وصفها الراحل رشاد الهوني قائلاً بأنها: (المدينة التي لم تخذل أحداً...) اليوم هذه المدينة يخذلها الجميع... يخذلها كل من وجد فيها ملاذا آمناًً، أو وجد فيها سلماً يصعد عبره إلى حيث يريد، يخذلها كل من وَلد مستقبله فيها وبمجرد أن تُربيهم بنغازي وتنميهم وتقويهم يلملمون أنفسهم ويرحلون عنها دون شكرٍ أو وداع في أحسن الحالات، وفي أقبحها يغادرونها وهم يبصقون عليها اتهامات الجهوية والعنصرية والفتنة و.. و.. و.. اليوم بنغازي يخذلها الجميع... وهذه المدينة، هذه الأم، هذه الأخت، هذه الحبيبة، لا يؤلمها خذلان كل أولئك الجاحدين بقدر ما يؤلمها خذلان أولادها لها...

بعد انقلاب القذافي سنة 1969، وفي المحاكم العسكرية، أقصد المهازل التي أُقيمت، وقف في يومٍ من الأيام المرحوم المبروك البسيوني – الرجل الذي كان ومازال من أعيان بنغازي – وقد سأله الضابط التافه، الذي بلا شك لم يجد إلا هذا السؤال، سأله من أين تحصل على رتبة (زعيم) وهو رجلٌ مدني؟ وما كان من المبروك البسيوني رحمه الله إلا أن يقول له كلمته المشهورة بأن (بنغازي رباية الذايح) فما بالك بولدها؟!!! ولكن أولاد بنغازي اليوم، الذين لا يقفون أمام أي محاكم عسكرية، يبدو أنهم نسوا أن بنغازي لم تخذل أحداً أبداً، وأنها أعطت أكثر مما أخذت، وفوق كل ذلك يبدو أنهم نسوا أن عقوق الوالدين من الكبائر... فأصبح الجميع يهربون، ولم يعد هنالك خيارٌ سوى الهرب أو الفساد. أحلاهما ليس مراً، بل ربما، في هذه الظروف، يكون أحلى مما يجب. ولكن الهرب لا يترك سوى الفساد الذي يدفعنا للمزيد من الهرب...

ولكن، بالطبع، هذا ليس حال كل أولاد هذه المدينة... فكما أن هنالك من يعمل لنفسه، هنالك من يعمل لها... ومنذ أيام كنت أتحدث مع أحدهم.

إنسانٌ رائع، معرفتي به ليست وثيقة، ولكنها تكفي لمعرفة أنه من أولئك الرجال الذين نقصدهم بالقول حين نُصرح بأن بلادنا لم تعقم عن إنجاب الرجال... كنت أتحدث معه عن زيارته الأخيرة لبنغازي، بعد سنين من الغربة والترحال، فأخبرني بأنه أعاد اكتشاف عشقه لهذه المدينة، وأخبرني أنه دخل في جدال مع عائلته بخصوص الانتقال من مكان إقامتهم الحالي والعودة للعيش في بنغازي. ولكن، مع عمله، وعائلته، ومسؤولياته، فرض عليَّ الواقع أن أسأله، في هذا الوقت الذي تمر فيه بنغازي بكل ما تمر به، هل هذا الوقت المناسب للعودة؟

أجابني دون أي تردد أو تفكير: هذا أفضل وقت للعودة.

وهذا حال البعض، حال من يشعر المرء عند الحديث معهم بأن بنغازي لها أولاد يشتعلون بالأمل كالمنارات التي تهدي إلى المستقبل... أناس يقولون بأن الظروف الصعبة هي أفضل الأوقات للعودة...

ولكن، بينما يريد هذا الرجل الرائع وأمثاله أن يعودوا، وأن يسارعوا لمساعدة بنغازي... فإن هنالك الكثيرون غيره، الكثيرون، يا إلهي كم هم كثيرون، ممن يريدون أن يهربوا... بعضهم قد يقولون: إلى أن تنتهي هذه الظروف الصعبة. ولا أعلم ماذا يقصدون بالضبط، ولكن أرجو، إن غادروا، أن يعودوا على الأقل لحضور الجنازة... وفي النهاية من يقرر المغادرة فقط، يتنكر لبنغازي وحسب – لا يساعدها، ولكنه لا يضرها بقدر من يريدون فعلاً قتلها... أليس هذا ما يحدث الآن؟! البعض يهربون وغيرهم يدمرون؟ فما الذي بقيَّ لبنغازي من أولادها سوى رفاتهم في المقابر؟! هذه الحقيقة المؤلمة هي السبب في أن الصادق النيهوم غادر بنغازي ومات خارجها بالرغم من أنه كان يكتب عنها وكأنها الخلاص، هذه الحقيقة هي السبب في أن الليبيين لا يعرفون (نجاةً) سوى الهجرة، أن المعارضة كانت كلها (خارجية)، أن الجميع يحلمون بالدراسة والعمل والتجنس والاستقرار في الخارج... السبب ليس الظروف الصعبة وحدها، ولا الطغيان، ولا الاستبداد، فالظروف الصعبة مجرد (ظروف)، السبب هو أن الناس الصالحون يهربون ويهربون، فلا يبقى ثمة سوى تلك الظروف وحفنةٌ من العصابات التي تُحسن استغلال هذه الظروف... هذه الحقيقة هي التي دفعتني لأن أعود وأسال ذلك الرجل من جديد: هل هذا الوقت المناسب للعودة؟ سألته هذا السؤال مرتان... وسألته مرةً ثالثة بمقطع من قصيدة قديمة هو نفسه الذي عرفني عليها، وهي قصيدة المرحوم عمر جعودة: صابر وطاوي المرض. سألته بمقطعٍ منها: هل هذا الوقت المناسب لأن تعود إلى بنغازي؟ هل ستستطيع أن تناضل وتبني وتعيش هناك وكل من حولك يهرب؟! ألا تظن أن الأمر سينتهي بك ولسان حالك يقول:

صابر وطاوى المرض نين زاده
وودع بلاده
وودع اللى كان باهى قعاده
معيشة مع من يكيدك عناده
سودة وشينة
وخصك إن كانك علم فى مدينة؟

فهل هذا الوقت المناسب لكي يعود هذا الرجل إلى بنغازي؟ لكي يعود كل الشرفاء مثله إلى بنغازي؟ لكي يبقى أولاد بنغازي فيها؟ هل ستجد بنغازي شفاءً لأمراضها؟ أم أن بنغازي، وليبيا، وكل من فيها، ومَن خارجها، سيطوون الأمراض في جوفهم ويصبرون وحسب على بلاد يهرب منها كل أولادها ويحلم بالهرب منها البقية؟!

لم تخذلي أحداً يا بنغازي... ولكننا لم نعد نحلم بأن نبقى معك، ولم يعد الآخرون يحلمون بالعودة إليك... لم نعد نحلم وحسب...

وكل هذا سببه ليس قطر، ولا هو أمريكا، ولا الإخوان، ولا السلفية، ولا العلمانيين، ولا التحالف، ولا الجبهة، ولا الكتائب، ولا الجيش، ولا شركة الكهرباء، ولا شرطة المرور، ولا الأزلام، ولا معمر... كل هذا سببه أولادك...

أو على الأقل، كل هذا سببه أن عدد من يحبون أنفسهم من أولادك أكثر من عدد من يحبونك...

وهذي، يا بنغازي، يا رباية الذايح، هذي أخرتها...

---------

* ملاحظة: هذه المقالة أقرب إلى الهلوسة منها إلى المقالة أو الكتابة... مجرد هذيان...
---------

هذا الهذيان منشور على موقع ليبيا المستقبل... بالأمس تقريباً... ولا داعي للرابط...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق