الثلاثاء، 27 مايو 2014

تعددت الأسباب...


كثيراً ما يتردد في ذهني موقفٌ أعتبره طريفاً... بعد زيارة لعمتي رحمها الله –  إحدى أكثر البشر عطفاً ومودةً – خرجتْ معي تودعني عند الباب رحمها الله،كانت تنصحني، كعادتها الطيبة، بأن أهتم بنفسي، ولكنها فاجأتني بنصيحة جديدة، نصحتني بأن لا أُصلي الفجر في المسجد، وبأن الصلاة في البيت أفضل وأكثر أماناً، وكانت نبرتها رحمها الله جادة تماماً، مليئة بالقلق والعطف.

لا أعلم لماذا بالضبط أعتبر هذا الموقف طريفاً، لعل الأمر من قبيل (شر البلية ما يُضحك)؛ فالأوضاع الأمنية في زمن القذافي كانت مُفزعةً لدرجة أن عمتك وأهلك يخشون عليك من الصلاة في المسجد، ويُحذِّرونك من صلاة الفجر وكأنهم يُحذِّرونك من تعاطي المخدرات! ولكن، هذا كان الواقع حينها... هكذا كانت الحياة: إذا صليت الفجر في المسجد فهذا دليل يأس: أنت لم تعد تكترث! وحين تُصلي صلاةً أخرى في المسجد فأنت لا تستطيع إلا أن تلحظ رجال (الأمن الداخلي)، وتتظاهر بأن صلاتك (اجتماعية) محضة! وإذا مررت في الليل على دوريةٍ أمنية فأنت تحرص على إبراز سجائرك! وقد كان بعض (الملتزمين) يقومون بذلك عمداً، أعني وضع علبة سجائر في السيارة لكي يظن رجال الأمن بأنهم يدخنون وبالتالي ليسوا متطرفين! وأذكر أيضاً بعض الفترات التي كانت اللحية فيها تهمة! حتى إن شخصاً سكيراً (صايع!) مشهوراً في إحدى المناطق لديه لحيةٌ كثيفة، اختفى من الشارع لفترة خوفاً من أن يُعتقل ويتم تجليم لحيته! كنت إذا تكاسلت عن الحلاقة لفترة تخرج خائفاً! وتحفظ عباراتٍ ساخرة مثل: (كسرة شفرة!) لترد على أي سؤال قد يُوجه إليك بخصوص اللحية!!! وفي إحدى المرات، ولا أعلم كيف بالضبط، وجدتُ نفسي وسط إحدى هذه الدوريات الأمنية!

كنت عائداً إلى البيت من سهرةٍ مع صديق، وإذا بي فجأةً أجد نفسي في مقابلة دوريةٍ أمنية! سيارةٌ أمامي وسط الطريق، وسيارتين أو ثلاث متوقفةٌ على جوانب الطريق، وسيارتي أمن تسدان الطريق، ورجال أمن منتشرون هنا وهناك... توقفت، وتذكرتُ بيأس بأن ما كان يحدث تلك الأيام هو أن رجال الأمن يُوقفون الشخص الملتحي، يحلقون لحيته، ثم يجعلونه يُوقِّع على تعهدٍ ما – ورقةٌ تصبح سنداً قانونياً ضدك، تسمح بالاشتباه فيك وتسمح بتلفيق التهم. والكارثة أنني كنتُ قد تكاسلت عن حلاقة اللحية لفترةٍ طويلة!!! لماذا لم أسمع كلام أهلي وأصدقائي وأحلق لحيتي؟! لماذا جئتُ من هذه الطريق؟! أنا لستُ زنديقاً!!! ولا حتى متديناً فعلاً! هذا المكان لم تكن تتمركز فيه دورياتٌ أمنية من قبل!!! بعد نوبة هلع، سلمتُ أمري لله، وقررتُ أن أرضى بمذلة حلاقة اللحية على أيدي رجال الأمن، وكل ما بقيَّ يشغلني حينها هو ذلك التعهد الخبيث! فأنا أعرف أشخاصاً لا ناقة لهم ولا جمل في التطرف أو الإرهاب أو حتى التدين أوصلتهم (تحقيقاتٌ بريئة) و(تعهداتٌ عادية) إلى سجن بوسليم!

الثلاثاء، 20 مايو 2014

بعيداً عنكِ...

حسناً يا بنغازي.. ما هي المشكلة بالضبط؟! أكُلما وقعت فيكِ (أحداثٌ جِسام) كان عليَّ أن أكون بعيداً عنكِ؟! هل يجب أن أغادر وأكون دوماً مُشاهِداً؟! هل يجب أن تنقطع بي السبل وأكون دوماً مُتابِعاً لأخباركِ؟! ما الذي يحدث بالضبط بيننا يا بنغازي؟! بكل صراحة، ما الذي يحدث؟! لماذا تُبعدينني عنكِ؟! لماذا دائماً تتظرينني لكي أرحل، بدون أن أُقبِّلكِ وأقول لكِ بأنني أُحبك، حتى تستيقظي يا بنغازي؟! هل تريدين مني أن أنساكِ؟! هل هذا ما تريدينه؟ هل تريدين مني أن أرُش على لساني ملح مدينةٍ أخرى وأنسى لهجتك؟ هل تريدين مني أن أتبرع بدمي كله وأمضي أيامي خاوياً بدونك؟ هل تريدن مني أن أمحو بصماتي وأُغيِّر اسمي وأهرب عبر حدود النسيان؟! لماذا تدفعينني بعيداً؟! لماذا لا تسمحين لي بأن أقاسمكِ رغيف مآسيكِ؟ لماذا لا تريدينني أن أشرب معكِ من كأس أحزانكِ ونسكر معاً بالدموع؟! لماذا لا تسمحين لي بأن أعيش فيكِ؟! لماذا تفرضين عليَّ عذاباً أسوأ من الموت؟! ألا تعلمين بأن (الذبح أروح من تعذيبِ مُغتربِ)؟! ابن المنقذ لم يكن له مُنقذٌ من غربته، فلماذا لا تريدين إنقاذي من الغربة؟! ما الذي يحدث يا بنغازي؟! ما الذي يحدث؟!!!

الاثنين، 19 مايو 2014

معركة بنغازي... أرجو أن نتذكر...

كالعادة، وفي مثل هذه المقالات، يجب على المرء أولاً أن ينفي أي انتماء إيديولوجي أو سياسي أو جهوي أو قبلي أو بزقلالي؟! وبناءً على ذلك فأنا – وأعوذ بالله من كلمة (معهم!) – لا أنتمي لأي حزب، ولستُ إسلامياً، ولا علمانياً، ولا حتى ليبرالياً أو وسطياً، ولا أُشجِّع الثوار ولا أُشجع الجيش، ولستُ مع أنصار الشريعة ولا مع خليفة حفتر، وأظن حتى بأنني لست ليبياً، وربما أيضاً لستُ كائناً بشرياً، ولا حتى من الثديات!

هل تمنحني هذه المقدمة أي مصداقية؟! لا أظن ذلك، ولا حاجة لذلك، فأنا لا أريد الترشح لشيء هنا، أريد فقط أن أقول شيئاً ما، لو اتضح أنه خطأ، فنحن نعرف منذ البداية بأنه ليست لديَّ مصداقية! ولو اتضح أنه صواب، فستكون قيمة ما أقوله من صوابه، وليس من مصداقيتي (المعدومة ربما...).

كأي بنغازينو آخر فاجأتني أحداث يوم الجمعة بفرحةٍ غامضة. هل هذه بداية نهاية المتطرفين؟! هل ستتخلص بنغازي أخيراً من بعض مشاكلها؟! هل ستتوقف الاغتيالات والتفجيرات والذبح والحرق والخطف والتعذيب؟! هل سينتهي عهد الرعب في بنغازي؟! الكثير من الآمال رافقت بداية (عملية الكرامة) كما يُسميها اللواء (المتقاعد؟) خليفة حفتر ومن يؤيده – وهي تسمية أعترض عليها جداً، فكرامة الليبيين ليست مفقودة، وإن انتهكت، فلا أظن بأن حفتر هو من سيعيدها! وعلى أي حال، وبغض النظر عن موضوع (الكرامة) تابعنا بداية الأحداث بترقب... وسرعان ما بدأت الأمور تتشوش... هنالك طائرات؟ حسناً، عملية كُبرى! قوات حفتر يؤيدها الجضران والفيدراليين؟ معقول؟ الجضران؟! الحكومة تعارض حفتر؟ بل تطالب الثوار بمواجهته؟! حفتر لا يُمثل الجيش؟! القوات العسكرية المؤيدة له تخالف أوامر رئاسة الأركان؟ قاعدة بنينا تسانده ولكن الصاعقة وغرفة بنغازي الأمنية لم يتحركوا؟! انقلاب؟! خروج عن الشرعية؟! الحكومة تائهة تماماً؟! رئيس الأركان يؤذن في مالطا؟! ما الذي يحدث بالضبط؟!!!

لقد اتضح بأن الأمر ليس أبيضاً وأسوداً كما تصورنا...

الأحد، 18 مايو 2014

فصل في الجحيم...


بالإمسِ، إن لم تَخُنِّي ذاكرتي، كانت حياتي وليمةً تتفتح فيها جميعُ القلوب، وتنسكبٌ فيها جميعُ الخمور.

ذاتَ مساءٍ، أجلستُ الجمالَ على ركبتيَّ – فألفيتُهُ مُراً – وشتمتُهُ.

تسلحتُ ضد العدالة.

وهربتُ. أيتها السواحرُ، أيها الشقاءُ ويا أيها الحقدُ، إليكم عُهِدَ بكنزي!

أفلحتُ في أن أُزيلَ عن فكري كُلَّ رجاءٍ إنساني. وفي اتجاهِ كُلِّ فرحٍ، قمتُ، كي أخنقَه، بالوثبةِ الصامتةِ للحيوانِ المفترس.

ناديتُ الجلادينَ لأعضَّ، فيما أهلكُ، أخامص بنادقهم. ناديتُ الآفاتِ لأختنق بالرمل والدم. كان الشقاءُ إلهي. تمددتُ في الوحل. تَنشَّفتُ في هواء الجريمة. ولعبتُ للجنونِ ألاعيب.

ثم جاءني الربيعُ بضحكةِ الأبله المُنفِّرة.

ولكن لما كنتث ألفيتُني مؤخراً على أُهبةِ إطلاقِ النشاز الأخير، فأنا فكرتُ في البحث عن مفتاحِ الوليمةِ القديمةِ التي قد أسترجعُ فيها شهيتي.

الرأفةُ هي ذلك المفتاحُ – هذا الإلهامُ يُثبتُ أنني حلمتُ!

"ستظلُّ ضَبعاً، إلخ"، كان يهتفُ الشيطانُ الذي تَوَّجَني بخشخاشاتٍ بالغة اللطافة. "حُزِ الموتَ بكلِّ ما لديكَ من شهية، بأنانيتكَ وجميعِ الكبائر".


أرثر رامبو.
من (فصل في الجحيم).

كلماتٌ قرأتها، فأحسستُ وكأنها قصيدةٌ حارة بكاها بنغازينو: صرخةٌ مجنونةٌ من وسط جحيم بنغازي تنعى جنةً كانت بنغازي... فمن منا اليوم لم يلعن الجمال، ويحارب العدالة، ويتحالف مع الشيطان بلامبالاة، وبالأمر الواقع، وبالبلاد ماشية هكي، وهي جت عليَّ أنا؟!!! من منا اليوم لديه بقيةٌ من رجاء تُنقذه من مجاعة اليأس... من منا اليوم لم يُمزِّق ذكرى الفرح، وينثرها مع رياح الحقد... من منا ما يزال جالساً على مائدة الحب؟! من منا لم ينتقل، بمسدسه، وكلاشنكوفه، وغضبه، وألمه، وكل جراحه إلى مائدة الأنانية...

ومن منا مازال يكترث بأي شيء؟!


قصيدةٌ أخرى في ديوان رثاء ليبيا...

وفينا الخصام، ونحن الخصم والحكم، والجاني والضحية، والجريمة والألم...

الغاية لا تُبرر الوسيلة.


لنُحافظ معاً على ثورتنا بإصلاح أخطائنا

لقد وقعت ثورتنا المباركة في مسيرتها نحو اكتمال النصر والتحرير في العديد من الأخطاء، وبلا شك سنظل نقع في هذه الأخطاء التي ستبقى مُنتشرةً على مدى طريقنا كالألغام – وهذا أمرٌ طبيعي؛ فجلَّ من لا يُخطئ.

ولعل ما يبعث على الراحة هو أن هذه الأخطاء كانت دائماً نتائج تصرفاتٍ مُنفردة لجهاتٍ أو أفرادٍ مُحدَّدين، أي أنه لا يمكن نسبها إلى الثورة والشعب، فقد كانت كلها إما بسبب التقصير والغفلة، أو الانفلات والفوضى، وفي بعض الأحيان فإن هذه الأخطاء لا يمكن وصفها إلا بأنها جرائمٌ شخصية، وهذا أمرٌ يبعث على الارتياح لأنه يؤكد أن هذه الأمور غير مُمنهجة ومسؤوليتها ليست شاملة؛ فالإجماع فيها يتمثل فقط في رفض الشعب كله لها واستيائه منها، ولذلك فإن ثورتنا تبقى بريئةً من تهمة (الخطايا) ولكنها تتحمل عبء إصلاح ومعالجة (الأخطاء).

ولكن هنالك بعض الأشخاص الذين يقومون على جهل بتلطيخ الثورة بمسؤولية هذه الأخطاء، هم يظنون أنهم يَحمون الثورة ويحافظون عليها ولكنهم في الحقيقة يُشوهونها بشكلٍ بشع؛ فحين ينادي البعض بالتغاضي عن الأخطاء وتجاوزها (لأن الوقت غير مناسب) فهم لا يُساعدون الثورة بل يؤذونها؛ فمساعدة الثورة والحفاظ عليها في هذه الظروف تتطلب (إصلاح) الأخطاء، وما يفعله هؤلاء الأشخاص بدعواتهم للتغاضي عن الأخطاء هو أنهم يُلصقون بالثورة تهمة (الغاية تُبرر الوسيلة) ويجعلون من مبادئ الثورة السكوت عن الحق والتغاضي عن الأخطاء، بدلاً من الحفاظ على مبادئ الثورة النبيلة في الإصلاح والتطهير والانعتاق ليس فقط من قيود الطاغية السفاح ولكن أيضاً من قيود الشر والفساد.


إن مبدأ (الغاية تُبرر الوسيلة) هو مبدأٌ خاطئٌ إلى أقصى الحدود، ولا يمكن تطبيقه إلا في سبيل الطغيان والاستبداد؛ فالأمور المُحرمة حين تصبح مشروعة لا نقول عنها بأنها وسيلةٌ خاطئة بررتها غايةٌ صحيحة؛ فالعنف عند الدفاع الشرعي عن النفس مثلاً لا يُعتبر جريمة نحتاج لتبريرها، لذلك فإن وجود حاجة للتبرير يُشير في حد ذاته إلى أن الوسيلة ما تزالُ خاطئة، والأشخاص الوحيدون الذين يستطيعون تبرير الأفعال الخاطئة بالغاية المقصودة، هم الذين تكون غايتهم في حد ذاتها خاطئة.

والصواب هو أن الوسيلة هي التي تُبرر الغاية. فغاية ثورتنا ليست الإطاحة بـ(رجل) اسمه معمر القذافي؛ فلماذا إذاً لم نرضَ بأن يتولى سيف القذافي الحكم؟ لماذا لم نرضَ بالمرحلة الانتقالية والانتخابات التي اقترحها القذافي عشرات المرات؟ لأننا على ثقة بأن نفس الأساليب الدموية الظالمة ستستمر، إذاً غايتنا ليست فقط التخلص من مُجرمٍ وعصابته، ولكن غايتنا هي تطهير البلاد من كل شرورهم وأساليبهم الفاسدة، فكيف يمكننا الحفاظ على غايتنا ونحن نستخدم نفس الوسائل والأساليب التي نريد التخلص منها؟! غايتنا ستتحقق لنا فقط باستخدامنا للوسائل النقية الطاهرة؛ فهي التي ستُبررها لنا: فالغاية التي نصل إليها ستكون بنفس طهارة – أو فساد – الوسائل التي وصلنا إليها بها، واستخدامنا لوسائل موبؤة من أجل تحقيق غاية طاهرة هو أمرٌ مستحيل، بل هو أمر ينفي الغاية كلياً!

الثلاثاء، 6 مايو 2014

الطريق إلى القدس... رحمة والدين؟!


انتشرت أنباء المصالحة الفلسطينية، أو لنقل (وعود الساسة) حول المصالحة الفلسطينية... ويبدو أن البعض يتعامل مع هذه الأخبار وكأنها نصر عربي ساحق آخر نُضيفه إلى تاريخنا العريق المُتخم بالانتصارات الوهمية... ولكن الواقع يطرح أسئلةً تحمل هذا الخبر أبعد ما يكون عن منصة النصر، وتضعه (كطفلٍ مُشوَّهٍ منبوذ) على عتبة ملجأ أيتام... ولا أعلم بالتحديد ما هو ملجأ الأيتام هذا، ولكن أغلب الظن أنه ملجأ (الأم الحنون: الإعلام العربي)، وكما هي قصة ملاجئ أيتامنا الحزينة، فإن ملجأ الإعلام أيضاً تنشأ فيها الأوهام المنبوذة لتصبح خيبات أمل مجرمة تعيث في تاريخنا فساداً!

1

هذه المصالحة جاءت بعد انقسامٍ دام سبع سنوات تقريباً (من 2007 إلى 2014). الناس يتصالحون وينسون الماضي، ولو كان هذا الماضي هو سنواتٌ من التخوين والقتل والاتهام والطعن في الظهر (وفي الوجه أيضاً)... عادي، يمكننا أن ننسى ونسامح... ولكن، أن يُقال بأن المصالحة جاءت بناءٍ على (اتفاقية القاهرة) ولاحقتها (اتفاقية الدوحة)، فهذا ما يضعنا أمام ألزهايمر أو إصابة بالخرف، وليس نسيان إرادي ومسامحة!!! فهذه الاتفاقيات هي من أبرز مظاهر الانقسام بين حركتي فتح وحماس! ولا أعني الاتفاقياتين في حد ذاتهما، ولكن أعني تفسيرهما (المختلف حسب وجهة النظر الفتحاوية والحماسية)، والتناقضات الواردة في الاتفاقيات، ونقص الاتفاقيات من حيث توضيح مهام واختصاصات الحكومة التوافقية المؤقتة التي ستُمهِّد للانتخابات الرئاسية والتشريعية، وأيضاً عدم وجود ضوابط زمنية (وفلسطين لطالما عانت من انفلات المفاوضات والمصالحات التي لم تُقيَّد بفترة زمنية... ناهيك عن أن غالبية تلك المُقيَّدة بفترات زمنية قد أخفقت!)، وقد أشار الكثير من المحليين والمراقبين إلى كل هذه المشاكل لم تتم الإشارة إلى حلولها في (إعلان غزة) الذي تم فيها إعلان المصالحة وفق الاتفاقيات المذكورة، وتجاهُل (إعلان غزة) لكل هذه التفاصيل يفرض علينا أن نتساءل عن مدى جدية وواقعية هذه المصالحة.

هل هنالك تنازلات مستقبلية تم الاتفاق عليها؟ أم ربما وضع كل طرف شروطاً وافق عليها الطرف الآخر؟ أم ربما هنالك اتفاق على إذعان طرف لطرف آخر؟ أم لعلها فقط مناورة سياسية من الطرفين؟ أم ربما الإعلان كان فقط مختصراً ولم يتطرق لكل التفاصيل الاتفاقية والتفسيرية المبنية على اتفاقيتي القاهرة والدوحة؟ تساؤلاتٌ كثيرة، ولكن الأمر لا يتوقف عند تشكيك المراقبين في حقيقة هذه المصالحة ومدى جديتها؛ فالعلاقات الفلسطينية شيء، والعلاقات الفلسطينية الإسرائيلية شيءٌ آخرٌ تماماً!

الاثنين، 5 مايو 2014

دار الإفتاء: الاستقلالية، والمسؤولية، والرجاء.


ويحمى وطيس الحرب المقدسة التي تدور في رؤوس المتطرفين... تفجيرٌ انتحاريٌّ هنا، وهجومٌ عنيفٌ هناك، وذبحٌ وحرقٌ وتمثيل... ونحن نقف مدهوشين، أفواهنا مفتوحةٌ على مصراعيها، لا نستطيع حتى الصراخ من شدة الصدمة... وأجدني أتساءل في هذا الوقت: هل دار الإفتاء أيضاً تقف مصدومةً مثلنا بفمٍ مفتوح ولا تستطيع الكلام؟!

لقد تحدث بعض (الإسلاميين) عن هذه الجرائم... وكم كانت أحاديث بعضهم مؤلمة، خاصةً لمن يتوقع من أشخاص ينسبون نفسهم للإسلام ألا يكون إخلاصهم إلا للإسلام... كلهم يستنكرون التفجيرات والعنف (بلا شك!) ولكن بعضهم لا ينسون الحديث عن الفساد في الأجهزة الأمنية وتقصيرها في تأمين المدن! وبعضهم يتحدثون عن حقوق الثوار! وبعضهم يلفون ويدورون (ليس تفجيراً انتحارياً...)، (ليس هجوماً انتقامياً...)، ليس، ليس، ليس، وكل شيء بالنسبة لهم (سوء فهم)، حتى الدماء التي تسيل مجرد سوء فهم وقد تكون هذه الدماء مياهاً!!! وبعضهم يصمتون وحسب، وهذا أهون الشرين حسبما أظن... ولكن، هؤلاء (سياسيون) لديهم مصالح وغايات شخصية أو حزبية، ولديهم شعارات ودعايات سياسية، ولديهم وسائل ضغط وتهديد، ففي النهاية تستطيع تبرير مواقفهم العجيبة... ولكن، أين دار الإفتاء من كل هذا؟! لم أرى لها حضوراً قوياً إعلامياً بخصوص هذه المواضيع، باستثناء إعادة نشر بعض مقاطع الفيديو على صفحتها الرسمية على الفيسبوك التي يتحدث فيها فضيلة المفتي عن تحريم القتل والتفجير وعن ضرورة القصاص وعن موقف الناس من قوات الجيش والشرطة. وهي مواقف ممتازة بلا شك، ولكن أين المواقف المواكبة والجديدة؟! وأين الحضور الإعلامي القوي والمهيمن الذي نتوقعه من المرجعية الدينية؟!

لقد دفعني التفكير في هذا الأمر، للتساؤل عن موقف دار الإفتاء مما يحدث، ووظيفتها ومسؤولياتها تجاه الليبيين...