الاثنين، 16 سبتمبر 2013

رثاء عمر المختار.



رَكَزوا رُفاتَكَ في الرِمالِ لِواءَ
يَستَنهِضُ الوادي صَباحَ مَساءَ
يا وَيحَهُم نَصَبوا مَناراً مِن دَمٍ
توحي إِلى جيلِ الغَدِ البَغضاءَ
ما ضَرَّ لَو جَعَلوا العَلاقَةَ في غَدٍ
بَينَ الشُعوبِ مَوَدَّةً وَإِخاءَ
جُرحٌ يَصيحُ عَلى المَدى وَضَحِيَّةٌ
تَـتَلَمَّـسُ الحُرِّيَةَ الحَمراءَ
يا أَيُّها السَيفُ المُجَرَّدُ بِالفَلا
  يَكسو السُيوفَ عَلى الزَمانِ مَضاءَ
تِلكَ الصَحاري غِمدُ كُلِّ مُهَنَّدٍ
أَبلى فَأَحسَنَ في العَدُوِّ بَلاءَ
وَقُبورُ مَوتى مِن شَبابِ أُمَيَّةٍ
وَكُهولِهِم لَم يَبرَحوا أَحياءَ
لَو لاذَ بِالجَوزاءِ مِنهُم مَعقِلٌ
دَخَلوا عَلى أَبراجِها الجَوزاءَ
فَتَحوا الشَمالَ سُهولَهُ وَجِبالَهُ
وَتَوَغَّلوا فَاِستَعمَروا الخَضراءَ
وَبَنَوا حَضارَتَهُم فَطاوَلَ رُكنُها
دارَ السَلامِ وَجِلَّقَ الشَمّاءَ


خُيِّرتَ فَاِختَرتَ المَبيتَ عَلى الطَوى
لَم تَبنِ جاهاً أَو تَلُمَّ ثَراءَ
إِنَّ البُطولَةَ أَن تَموتَ مِن الظَما
لَيسَ البُطولَةُ أَن تَعُبَّ الماءَ
إِفريقيا مَهدُ الأُسودِ وَلَحدُها
      ضَجَّت عَلَيكَ أَراجِلاً وَنِساءَ
وَالمُسلِمونَ عَلى اِختِلافِ دِيارِهِم
لا يَملُكونَ مَعَ المُصابِ عَزاءَ
وَالجاهِلِيَّةُ مِن وَراءِ قُبورِهِم
يَبكونَ زيدَ الخَيلِ وَالفَلحاءَ
في ذِمَّةِ اللَهِ الكَريمِ وَحِفظِهِ
جَسَدٌ بِبُرقَةَ وُسِّدَ الصَحراءَ
لَم تُبقِ مِنهُ رَحى الوَقائِعِ أَعظُماً
تَبلى وَلَم تُبقِ الرِماحُ دِماءَ
كَرُفاتِ نَسرٍ أَو بَقِيَّةِ ضَيغَمٍ
باتا وَراءَ السافِياتِ هَباءَ
بَطَلُ البَداوَةِ لَم يَكُن يَغزو عَلى
تَنَكٍ وَلَم يَكُ يَركَبُ الأَجواءَ
لَكِن أَخو خَيلٍ حَمى صَهَواتِها
وَأَدارَ مِن أَعرافِها الهَيجاءَ
لَبّى قَضاءَ الأَرضِ أَمسِ بِمُهجَةٍ
لَم تَخشَ إِلّا لِلسَماءِ قَضاءَ
وافاهُ مَرفوعَ الجَبينِ كَأَنَّهُ
سُقراطُ جَرَّ إِلى القُضاةِ رِداءَ


شَيخٌ تَمالَكَ سِنَّهُ لَم يَنفَجِر
كَالطِفلِ مِن خَوفِ العِقابِ بُكاءَ
وَأَخو أُمورٍ عاشَ في سَرّائِها
فَتَغَـيَّرَت فَتَـوَقَّعَ الضَرّاءَ
الأُسدُ تَزأَرُ في الحَديدِ وَلَن تَرى
     في السِجنِ ضِرغاماً بَكى اِستِخذاءَ
وَأَتى الأَسيرُ يَجُرُّ ثِقلَ حَديدِهِ
أَسَـدٌ يُـجَرِّرُ حَيَّةً رَقطاءَ
عَضَّت بِساقَيهِ القُيودُ فَلَم يَنُؤ
وَمَشَت بِهَيكَلِهِ السُنونَ فَناءَ
تِسعونَ لَو رَكِبَت مَناكِبَ شاهِقٍ
لَتَرَجَّلَت هَضَباتُهُ إِعياءَ


خَفِيَت عَنِ القاضي وَفاتَ نَصيبُها
مِن رِفقِ جُندٍ قادَةً نُبَلاءَ
وَالسُنُّ تَعصِفُ كُلَّ قَلبِ مُهَذَّبٍ
عَرَفَ الجُدودَ وَأَدرَكَ الآباءَ
دَفَعوا إِلى الجَلّادِ أَغلَبَ ماجِداً
يَأسو الجِراحَ وَيُعَتِقُ الأُسَراءَ
وَيُشاطِرُ الأَقرانَ ذُخرَ سِلاحِهِ
وَيَصُفُّ حَولَ خِوانِهِ الأَعداءَ
وَتَخَيَّروا الحَبلَ المَهينَ مَنِيَّةً
لِلَّيثِ يَلفِظُ حَولَهُ الحَوباءَ
حَرَموا المَماتَ عَلى الصَوارِمِ وَالقَنا
مَن كانَ يُعطي الطَعنَةَ النَجلاءَ
إِنّي رَأَيتُ يَدَ الحَضارَةِ أولِعَت
بِالحَقِّ هَدماً تارَةً وَبِناءَ
شَرَعَت حُقوقَ الناسِ في أَوطانِهِم
إِلّا أُباةَ الضَيمِ وَالضُعَفاءَ
يا أَيُّها الشَعبُ القَريبُ أَسامِعٌ
فَأَصوغُ في عُمَرَ الشَهيدِ رِثاءَ
أَم أَلجَمَت فاكَ الخُطوبُ وَحَرَّمَت
أُذنَيكَ حينَ تُخاطَبُ الإِصغاءَ
ذَهَبَ الزَعيمُ وَأَنتَ باقٍ خالِدٌ
فَاِنقُد رِجالَكَ وَاِختَرِ الزُعَماءَ
وَأَرِح شُيوخَكَ مِن تَكاليفِ الوَغى
وَاِحمِل عَلى فِتيانِكَ الأَعباءَ

أحمد شوقي. 




ذكرى استشهاد عمر المختار رحمه الله.


اليوم، 16-09، هو ذكرى استشهاد شيخ الشهداء عمر المختار رحمه الله. الذكرى الثانية والثمانين لإعدامه رحمه الله مِن قِبل قوات الاحتلال الإيطالي. إنها مناسبة تاريخية حُرمنا من تذكرها لعقود طويلة، فهي، وإن كانت تؤرخ للقضاء على المقاومة ضد الاحتلال باستشهاد آخر قادتها، إلا أنها في نفس الوقت تؤرخ لمسيرة أحد أبرز أبطال ليبيا، الرجل الذي كنا ولازلنا نفتخر به، الرجل الذي رفع رؤوسنا عالياً في كل مكان، فكان بالفعل قد انتصر على أعدائه بالخلود، وانتصر لشعبه بالفخر الأصيل.

ولكن اليوم لا يُسمى (يوم عمر المختار) أو (ذكرى عمر المختار) أو أي شيء له علاقة بعمر المختار أو المجاهدين ضد الاحتلال الإيطالي، ولكنه يُسمى (عيد الشهيد)، حيث يبدو أن المسؤولين لم ينتبهوا إلى أن تاريخ 17-2 سيرمز أصلاً لكل ما له علاقة بثورة فبراير، بما في ذلك تضحيات الشهداء، فقاموا بدمج يوم تكريم شهداء الثورة مع ذكرى استشهاد عمر المختار واختلط التاريخ القديم بالتاريخ المعاصر.

الجمعة، 13 سبتمبر 2013

تعليق على مقالة القذافي ليس الشيطان.


الفطرة، الطبيعة الإنسانية، والخير والشر...


محمد الغزالي والفطرة.

منذ فترةٍ قصيرة قرأتُ كلاماً قيماً للشيخ محمد الغزالي رحمه الله يُناقش فيه فكرة (الفطرة)، وقد تساءل عن معيار الفطرة الإنسانية الطبيعية، وخلص إلى أن الفطرة السليمة هي المعيار الوحيد، وأن أي أمراض نفسية وخُلقية لا تعتبر من الفطرة الطبيعية – الانحراف والانفلات ليس فطرة. وبعيداً عن المجادلات العقلية – المنطلقة من أساس ديني – التي ساقها لتأييد فكرته، فقد استدل بشيء آخر أثار اهتمامي كثيراً. هي ملاحظة كثيراً ما نمر عليها نحن المسلمون لكننا لا نُدرك أعماقها.

الشيخ محمد الغزالي رحمه الله كان كثير القراءة لكتب العلوم والآداب الإنسانية كالفلسفة وعلم النفس والاجتماع، والعلوم التطبيقية كالفلك والفيزياء وغيرها – وهو ما يبدو واضحاً في ثقافته الواسعة وكتاباته الغنية. وقد سبق أن وضَّح أن هذا الشغف كان إيماني الهدف؛ فالمؤمن يجب أن يبحث عن قدرة الله ويسعى لفهمها في كل مكان وفي كل مجال. ومن هذا المنطلق فإنه لا يبدو غريباً أن نجد أن قراءات الشيخ الغزالي للفكر الغربي – التي كانت بهدفٍ إيماني – قد كانت نتيجتها أن الشيخ الغزالي قد ربط التوافق بين أقوال بعض من المفكرين والفلاسفة الغربيين وبين تعاليم الإسلام مع فكرة الفطرة السليمة والطبيعة الإنسانية.

هذا الربط الذي قام به الشيخ الغزالي يُبرز لنا الفكرة التي ذكرتُ سابقاً أننا كثيراً ما نمر عليها ولكننا نغفل عنها. فنحن كثيراً ما نمر على أقوال لمفكرين غربيين ونتفاجأ بأنها مماثلة لما جاء به ديننا الحنيف (أذكر مرةً أنني تحدثت مع جدي العزيز حفظه الله عن الكاتب الروسي الشهير ليو تولستوي رحمه الله (وهي دعوة أقولها بثقة وبتقدير حقيقي...) وأخبرته أنني صُدمت ببعض ما كتبه هذا الرجل مما يمكن تصنيفه على أنه فكرٌ إسلامي!!! فقال لي جدي: (فيه خُلق الإسلام...) في إشارةٍ إلى ما ورد في الأثر عن أن الرسول عليه الصلاة والسلام وصف حاتم الطائي – مضرب الأمثال في الكرم – بأن فيه خُلق من أخلاق ديننا الحنيف.) كثيراً ما نمر على أقوال مفكريين غير مسلمين موافقة لتعاليم الإسلام، وربما استدل البعض بذلك على أن الإسلام هو الدين الحق، ولكن ما نغفل عنه في الأغلب هو أن هذا فيه توكيد لمبدأ إسلامي آخر، وتوضيح لفكرة مهمة، فإن قلنا بأن الإسلام دين الفطرة، وأسلمنا بأن الفطرة الإنسانية الطبيعية هنا هي الفطرة السليمة الخالية من الانحرافات، فإن موافقة بعض الأفكار (غير الإسلامية) لهذه الفطرة هي دليل على أن الفطرة الإنسانية الطبيعية هي بالفعل الفطرة السليمة، وهذا ما يجادل به الشيخ الغزالي عن طريق الاستشهاد بأقوال مفكرين غير مسلمين تؤكد بأن العقول البشرية كثيراً ما تميل إلى إقرار حقيقة أن الطبيعة الإنسانية أصلها هو الخير – الفطرة السليمة هي الأصل.

الثلاثاء، 3 سبتمبر 2013

هل الشعب الليبي شعبٌ صالح؟


هل كان معمر القذافي رجلاً صالحاً؟

لن يختلف عاقلان حول إجابة هذا السؤال...

ولكن...

هل الشعب الليبي شعبٌ صالح؟

هنا سنقع في مأزق التمييز بين العاقل والمجنون بحسب الإجابة؛ فالاختلاف هنا ليس مبنياً على الولاء السياسي أو حتى المصالح الشخصية، كلا، بل الاختلاف هنا مبنيٌّ على اليأس والأمل – يمس جوهر الإنسان وروحه، ونحن على استعداد لوصف شخص بأنه مجنون لمُجرد أنه اشترى شيئاً كنا نستطيع التحصل عليه بربع دينار أقل، فما بالنا بمن يخالف جوهر وجداننا، ويعارض هلوساتنا وأوهامنا، أقصد مخططاتنا وأحلامنا! إن الشخص الذي يُحجب شمس أملنا بغيوم اليأس، أو يُطارد ظلال يأسنا بمشعل الأمل الملتهب، هذا الشخص يستحق أوصافاً أسوأ من الجنون...

ونعود للسؤال الثاني...

هل الشعب الليبي شعبٌ صالح؟

دعونا قبل التفكير في السؤال نجلس معاً ونستمع (أو نقرأ) بعضاً من القصص، ونهز رؤوسنا بصمتٍ وتفهُّم ونُعلِّق بلا حول ولا قوة إلا بالله...