الاثنين، 29 يوليو 2013

حين يغيب الحب والجمال عن الشِّعر...

في ثلاثينيات القرن الماضي وقعت إسبانيا في هاوية الحرب الأهلية، وشهدت دماراً وحزناً شبيهاً بما تقاسيه بلادنا الحبيبة الآن، وهي تداعياتٌ حتميةٌ لكل الثورات الحمراء والحروب؛ فالعنف العالق بكفاح الحرية غالباً ما يُخلِّف وراءه جراحاً غائرة لا يمحو آثارها الزمن؛ فحين تحترق البيوت وتُدفن الذكريات تحت ركامها، وحين يقتل الأخ أخيه، حين تجري دماء الأطفال البريئة في الشوارع، حين تُزرع الأرض رصاصاً وتُسقى دماً، فإن ذلك يُشوِّه حاضرنا، ويُورِث تاريخنا ندوباً لا بلاسم تشفيها، ويفرض علينا تغييراً وتحولاً لا يفهمه غيرنا...

وحين اشتد سعير الحرب الأهلية في إسبانيا، كان الشاعر التشيلي الجليل (بابلو نيرودا) مُقيماً فيها، جسداً وروحاً. وكان شعره الرقيق العذب من ضحايا تلك الحرب؛ فقد تخلى نيرودا، مُرغماً، عن حياده السياسي وسلميته، نبذ الحب والطبيعة اللذين يزينان كل بيتٍ في قصائده، فأصبحت قصائده تقطر دموعاً ودماً.

إنَّ القارئ لشعر نيرودا في تلك الفترة سيتفاجأ بلا شك بشدة ألمه، وستصدمه كلماته المــُفجعة. وفي الحقيقة، فإن العالم كله في تلك الفترة تَحيَّر في هذا الانقلاب الذي حدث لشِعر نيرودا وأطاح بالجمال والحب؛ فقد تحولت قصائده من حدائقٍ بديعةٍ تجري فيها أنهار الحب، إلى مقابرٍ مُظلمةٍ تُغطيها غيوم البارود وتغمرها فياضانات الدماء. ردة الفعل هذه، على تغيُّر شعر نيرودا، دفعت به إلى تفسير موقفه وشرحه، فنظم قصيدةً سماها (أنا أفسر بعض الأمور).

الخميس، 25 يوليو 2013

فلسطين...

لم أستطع أن أجد عنواناً لهذه الخاطرة سوى محاولة التذكر... وهي ليست (صورة وفكرة) فعلاً، ولكنها صورةٌ وعاصفةٌ من الجراح...

كتبتُ عن ناجي العلي في ذكرى اغتياله... ومن بين رسوماته الرائعة مررتُ على لوحة ذكرتني ببيت شعر لإبراهيم طوقان...

قــضيــةٌ نــبــذوهـا بعدما قُتــِلَــتْ،    ما ضــرَّ لـو فــتحوا قـــبراً يُوارِيها



الفكرة الأولى: كل شيءٍ مُرتبط، إبراهيم طوقان وناجي العلي، الشعر والرسم، الماضي والحاضر... كل شيءٍ مُرتبط...
الفكرة الثانية: قالها إبراهيم طوقان منذ 60 سنة، ورسمها ناجي العلي منذ 30 سنة، واليوم نكاد ننساها...
الفكرة الثالثة: اللهم ارحم فلسطين... والرحمة تجوز على الحي والميت... وتبقى فلسطين سؤالاً... اللهم ارحم فلسطين...
الفكرة الرابعة: أبكي على فلسطين، ولكني لا أنسى ليبيا، وأغضب على ليبيا، ولكني لا أنسى فلسطين...
الفكرة الخامسة: إلى متى سنذكر؟ ومتى سننسى؟ وما الذي يجعلنا نتذكر؟ وما الذي سيرغمنا على أن ننسى؟

فلسطين...

فــــلــــســــطـــــيـــــن...

فـــــــــ
    ـــــــلـــــــ
         ــــســــــ
                 ــــطـــــ
                         ـــــيـــــــ
                                   ـــــــــن...

شيئاً فشيئاً تتلاشى من عقولنا... شيئاً فشيئاً تُصبح قضيةً مُجرَّدة، حروفاً مُبعثرة، أرواحاً مُشرَّدة، شعباً مُنقرِضاً، أرضاً خرافية...

شيئاً فشيئاً لم أعد أعرف هل أفرح بأننا مازلنا نبكي عليها، دون أن نفعل شيئاً، أم أُعلل نفسي بأننا سوف ننساها...

أمـــــس كُـــــنّا.. وأمــــس كُـــــنّا وكُنّا       وصـــــروفُ الــــزمــانِ دارتْ علــــينا
الفـــــتى الحــــرُّ بـــاتَ عـــــبداً ذلـــيلاً        والــزعــيمُ المــــهـــيـــبُ أصــــبـحَ قِــــــنّا
في ظـــــلامِ التــابـوتِ نـــفتــحُ عـيناً        وشـــمـوس الحـــياة تُـــغمِضُ عـــينا
الطغاةُ الأجلافُ صالوا وجالوا        آخٍ منـــهم، وآخ مــــنّا.. ومــــنّــــا
والغـــــزاةُ العلوجُ عــــبءٌ ثــــقــــيــــلٌ         مـــــلءَ لـــــيلٍ أهـــــوى وجَــنَّ وجُنّا
وتصـــيحُ العــيونُ خـــــزياً ورعـــــباً:        يا هلالَ التاريخ أينكَ.. أينا؟!

سميح القاسم.


ن والقلم وما يسطرون...


في عُمق أحد المواقع المــُثيرة للاهتمام، وجدتُ مقالةً تتحدث عن تاريخ القلم... بالطبع القلم عندنا قد يعني أشياءً كثيرة. لسان العرب يشرع فوراً في تعريف القلم المستخدم للكتابة، ويُورِد الكلمات التي ترتبط به نظراً لارتباطها بصفة البري أو القطع، كالأسهم أو عيدان القصب التي قد تُوصف بأنها أقلام لأنها تُبْرى. وكذلك حال القاموس المحيط. ولكن معجمي الصحَّاح ومقاييس اللغة يُركِّزان على أصل كلمة قلم نسبةً إلى فعل التقليم (قلَّم)، ومن هنا نُدرك أن أصل كلمة القلم قد جاء من حاجة أدوات الكتابة إلى التقليم (البري) لكي يُكتب بها. ولكن هذا الأصل اللغوي – وإن كنا نستطيع أن نجد فيه دلالاتٍ فلسفية – لا يرتبط مباشرةً بمعنى القلم عندنا اليوم؛ فهو لم يعد كل ما يتم بَرْيُه، ولكنه أصبح كل ما تتم الكتابة به، فقد يكون ريشةً، أو قصبةً، أو قلم حبر، أو قلم رصاص... والمقالة التي اطلعتُ عليها حول تاريخ القلم، تتحدث عن تاريخ قلم الرصاص.

تاريخ قلم الرصاص.

المعلومات الواردة في المقالة جميلةٌ جداً. هي تذكر أولاً أن مُخترع قلم الرصاص هو العالم (نيكولاس-جاك كونت)، الذي كان يعمل في جيش نابليون بونابارت، وقد ابتكر كونت قلم الرصاص (كما نعرفه اليوم) عام 1795م. والحقيقة أن كونت لم يبتكر قلم الرصاص فعلاً بقدر ما أنه طوَّره، فمادة (الجرافيت) التي استخدمها سبق استخدامها منذ القدم للكتابة. فتذكر المقالة أن حضارة الأزتيك الجنوب أمريكية قد استخدمت هذه المادة لرسم الإشارات، هذا عدا عن أن المادة استخدمت للكتابة منذ اكتشافها في أوروبا في القرن الخامس عشر. وحتى الاسم الذي مُنح للمادة بعد اكتشفاها له دلالة متعلقة بالكتابة، فتسمية (جرافيت Graphite) مشتقة من الكلمة اليونانية graphein والتي تعني "أن تكتب". ولا تغفل المقالة عن ذكر خطأ تاريخي ارتبط بقلم الرصاص، وهو أن مادة الجرافيت إبان اكتشافها ساد اعتقادٌ بأنها من أنواع الرصاص Lead ولذلك ارتبط بها وصف الرصاص لفترة طويلة. بالطبع في الغرب لديهم تسمية Pencil وبالتالي لم يعد لهذا الخطأ موجوداً عندهم في وصف القلم، ولكن المثير للاهتمام هو أن هذا الخطأ الوصفي مايزال مستمراً عندنا في اللغة العربية: قلم رصاص. والحقيقة أن هذه الملاحظة تدل على أن ترجمة هذا المصطلح إلى العربية كانت مُبكرةً جداً، إما ترجمة مصطلح قلم الرصاص، أو – وهو الأرجح – الترجمة المتعلقة بالجرافيت نفسه. وعلى أي حال فهي دلالة تاريخية على اهتمام قديم بالترجمة والعلم ضاع اليوم للأسف.

نيكولاس-جاك كونت، مبتكر قلم الرصاص المــُعاصر

المقالة تذكر أيضاً معلومات أخرى عن تاريخ القلم، مثل طرق تحضير كونت للأقلام، بتغليف الجرافيت بعد خلطه بالماء والطين في درجة غليان كبيرة، وتغليف الجرانيت بالخشب (كما هو الحال إلى اليوم) يكون بحسب الاستعمال، فقد يكون مُربَّعاً، وقد يكون دائرياً... كما تذكر المقالة بعض المعلومات المتعلقة بتجارة الجرافيت، التي وجدت سوقاً كبيراً بعد رواج قلم الرصاص (هذا الخطأ التاريخي أصبح يضايقني! الرصاص!) التجارة المبنية على الأقلام كانت كبيرة، وبالتالي لم تخلُ من مظاهر الاستغلال والتهريب وغيرها من أمور طريفة حين ندرك أنها كلها مغامرات إجرامية وسياسية واستعمارية متعلقة بأقلام الرصاص!

الاثنين، 22 يوليو 2013

حنظلة... بكلمات ناجي العلي...



(أما حنظلة، فلم أرسمه بدافع الفذلكة أو العبثية، والإنسان اللي على علاقة حميمة مع حنظلة يقدر يستشف إذا كان عم بيبكي إذا كانت عيونه عم تدمع... إذا كان غضبان، مع أنو مش شايف وجهو، وأفضل من حلل وكشف عن شخصية حنظلة الشاعر العراقي الكبير بلند الحيدري كتب عن حنظلة وقال أنه يتطلع للأمام، يؤرخ، يسجل، يتبنى القضايا، يعرف أصدقاءه من أعدائه.. يجذب اهتمام الناس للقضايا لأنه يتفاعل مع الأحداث والذي يستخف في موقف حنظلة قال بلند أنه هو من يدير ظهره له.

حتى (التكتيفة) اللي كتفتوا إياها في حرب أكتوبر جاءت لتدل على أنه بريء من التسوية، زي الطفل الحردان من أمه لأنها ما أعطته الحلوى، عندما أقوم بتحريك حنظلة لا أفعل ذلك عن افتعال. كان حنظلة في السابق يتكلم مع نكسون باللغة الإنجليزية، يلعب مع أطفال مخيم تل الزعتر في لبنان، يقطع النهر، يغني طاق طاق طاقية، أنا بلا هوية، يهزج ويقول ويحكي.. ولكن وقت الجد يكون حنظلة في موقعه، ويتفاعل مع الناس، أنا لا أحرك حنظلة كالبهلوان أو المهرج، حنظلة له كرامته وهو ليس أراجوز، وليس توم وجيري، ويوجد كثير ممن انتقده بحدة وقال عنو أنو ما بيضحك للرغيف السخن أي أنه غير مرح مع أنهم لم يروا وجهه وأنا أحب أن أقول لهؤلاء حنظلة يعبر عن واقعنا الغير مرح على ما أعتقد وهو في النهاية ليس مهرجاً عند أحد.)

(إنه شاهد العصر الذي لا يموت.. الشاهد الذي دخل الحياة عنوةً، ولن يغادرها أبداً.. إنه الشاهد الأسطورة، وهذه الشخصية غير قابلة للموت، وُلدت لتحيا وتحدت لتستمر.
هذا المخلوق الذي ابتدعته، لن ينتهي من بعدي بالتأكيد، وربما لا أبالغ إذا قلت أنني قد أستمر به بعد موتي.)

ناجي العلي. (من كتاب: ناجي العلي الشاهد والشهيد.)

هذا الولد... ناجي العلي...


"أريده مقاتلاً، مناضلاً ورافضاً لكل ما يجري على الساحة من مؤامرات وخذلان.
وحقيقة الطفل أنه منحاز للفقراء لأنني أحمل موقفاً طبقياً، لذلك تأتي رسومي على هذا النحو، والمهم رسم الحالات والوقائع وليس رسم الرؤساء والزعماء.
إنه شاهد العصر الذي لا يموت.. الشاهد الذي دخل الحياة عنوةً، ولن يغادرها أبداً.. إنه الشاهد الأسطورة، وهذه الشخصية غير قابلة للموت، وُلدت لتحيا وتحدت لتستمر.
هذا المخلوق الذي ابتدعته، لن ينتهي من بعدي بالتأكيد، وربما لا أبالغ إذا قلت أنني قد أستمر به بعد موتي."

ناجي العلي.


العشاء الأخير.

كم هو شريرٌ هذا الولدُ حنظلة
نمنحه الاسمَ الجميلَ ناجي
فيهزأ بنا
عن أية نجاةٍ تتكلمون؟
عن نجاة 1948
أم نجاة 1967
أم نجاة 1982 ؟
عن نجاة أيلول الألوان الأربعة
أم نجاة تل الزعتر وصبرا وشاتيلا
وعين الحلوة؟
أنا المواطن الحلو من مخيم عين الحلوة
أختصر نجاتي وألخص حلاوتكم
في الاسم الحلو الأخير الذي يليق
بي وبكم:
حنظلة!
كم هو شريرٌ وفاضحٌ
هذا الولد حنظلة
نستمرئ الموت ونحلق في سماء
الانتصارات القومية الباهرة
فيشدنا بشعرة من ريشته ويهوي
بنا
إلى حضيض الواقع المهزوم
كم هو قاسٍ هذا الولد
نقرع طبولنا في مواكب الملوك
والرؤساء
فيفقأ طبولنا بقطرة حبر
نرى ما لا نرى فيمسح الأرض
بعزتنا الكاذبة ويشد نعال
آذاننا بلا رحمة:
كم أنتم ساقطون
كم أنتم تافهون
اخرجوا من خلف أكاذيبكم
اخرجوا من حظائر عروشكم
وقصور رئاستكم واعترفوا
بحقارتكم
كم هو شريرٌ وقاسٍ
هذا الولد حنظلة
إنه يقول الحقيقة
شريرٌ وقاسٍ أنت يا حنظلة
لأنكَ جميلٌ في زمن القبح
صادقٌ في زمن الكذب
جريءٌ في عصر الجبناء
أمينٌ في عهد الخونة
طويلٌ في مزرعة المسخوطين
نبيلٌ في بورصة الارتزاق
والارتداد
وكم أنت مثابرٌ ومبدئي في جلدنا
بتذكيرنا بعبوديتنا نحن شم
العرانين الراغمة
المدمنين على مخدرات الكرامة
بلا كرامة
والهمة في القعود
والشرف في العار
قاسٍ أنت وشرير
ومبدئي
فمن أجدر منك بالموت
يا حنظلة
لن تقلق راحة قيلولتنا
بين نعال الغزاة
من إسرائيل حتى أمريكا
لن تقض مضاجعنا المفروشة
بالورد الاصطناعي المستورد
وردٌ صطناعي بنفط خام
هذه هي معادلتنا
فلماذا تنغص علينا سقوطنا
وهواننا
كم أنت جدير بالموت يا حنظلة.
كم أنت جدير بالموت!

سميح القاسم.

ناجي العلي: ذكرى الأمل...

"ريشتي... هي سلاحي الوحيد الذي أواجه به شراسة قوى الشر في هذا العالم."

في مثل هذا اليوم، منذ 26 سنة، وقفت ريشة ناجي العلي في مواجهة كاتم صوت قوى الشر... تصارعت الريشة مع المسدس، الحبر مع البارود، الدماء مع الغدر...

وفي مثل هذا اليوم، منذ 26 سنة، انتصرت ريشة ناجي العلي على كل قوى الشر في العالم... في مثل هذا اليوم، 22-07-1987م، رسم ناجي العلي لوحته الأخيرة بدمائه على أرصفة المنفى، وكان قد ترك وصيته في رسوماته الأخيرة: ارفعوا أيديكم عن المخيمات، مبروك يا فاطمة.. جاءك.. حجر، من يتنازل عن جزء من وطنه.. لا يستحق الجزء الآخر، لا رأس فوق المساءلة.. لا حصانة أمام العدل، كنسوا قادتكم الفاشلين، لا لكاتم الصوت... لا للاغتيالات السياسية، الوصايا العشر: لا تصالح.. لا تصالح.. لا.. لا...


حياة ناجي العلي لم تُنهى فجأةً، لم تُخطف، بل اختُتِمت بالشهادة، بتجسيد البطولة، بولادة الأسطورة... الرسوم رُسمت، والمبادئ أُرسيت، والوصية كُتبت، والتضحية جاءت لحظتها... لم يكن الموت بالنسبة لناجي شيئاً طارئاً، مفجأةً مُفزعة مليئةً بالسواد والهلع، كلا، لقد كان الخطوة التالية لمسيرته المستحيلة... لم تحن لحظة الشهادة إلا لكي يخترق ناجي بموته كل الخطوط الحمراء التي كان يرقص فوقها في حياته... تلك الخطوط الحمراء التي كان ناجي يدرك مدى بشاعتها ويشعر تجاهها بالقرف...

"بلا خطوط حمر... بلا خضر... بلا... شو بدهم؟ يطخوني؟! ولك شو بتسوى هالعيشة؟! ولك لوين رايحين فينا؟!" ناجي العلي، في ربيع 1987 قبل اغتياله بأشهر، رداً على تعليق عن ملامسته للخطوط الحمراء.

لقد كان ناجي يعلم جيداً أنه كلما أمسك ريشته فقد كان يرسم روحه، وطنه، شعبه، قضيته، مبدأه، عقيدته، وأيضاً وصيته التي يقف حنظلة شاهداً على أن ناجي كتبها بكامل قواه العقلية وبكامل بطولته الجنونية.

الأحد، 21 يوليو 2013

خواطر عن خواطر...

شهر رمضان يرتبط عندنا بأشياءٍ كثيرة، بدايةً من الأمور الدينية كالصلاة والقرآن والتوبة، والروحانيات بصفة عامة، وانتقالاً إلى الأمور الدنيوية كالطعام، والطعام، والمزيد من الطعام، والسهرات، والمسلسلات، والنوم (الاسم العلمي له يجب أن يكون: السُبات الرمضاني...). أشياءٌ كثيرةٌ جداً ترتبط بهذا الشهر. جزءٌ منها لا أهتم به بسبب التقصير، وجزءٌ آخر لا تسمح به الحياة نفسها، وأجزاءٌ كثيرة لا أهتم بها وحسب. ومن بين الأمور التي لا أهتم بها إطلاقاً: المسلسلات (هذا ليس تنظيماً للوقت، أو ترفعاً عن متابعة التلفاز، أو غير ذلك من أمور، هو فقط عدم وجود اهتمام...).

ولكن، في الأيام الماضية، لفت شخصٌ ما انتباهي لأحد هذه المسلسلات، أو بالأحرى أحد البرامج، ألا وهو برنامج (خواطر) الذي يقدمه (أحمد الشقيري). البرنامج شهير لدرجة لا يحتاج معها لأي تقديم، وأظن أن دخول البرنامج جزأه التاسعة هو أفضل شاهدٍ على نجاحه. ولكن هل هذا النجاح حقيقي؟ أعني هل له آثارٌ ملموسة؟ فالحقيقة أنني رغم إعجابي الكبير بالبرنامج، إلا أنني لازلتُ غير معجباً إطلاقاً بمتابعي هذا البرنامج!

الأحد، 14 يوليو 2013

ضعفٌ وغباء؟!

المشاعر هي سلوك الاستسلام...

المشاعر هي سلوك الإحباط...

تعريفان للمشاعر، كلاهما يُعبران عن العجز، عن الوصول إلى نقطة لا يعُد يُجدي فيها المنطق... ولكن البعض يُميزون بين التعريفين بنوع من البراعة النفسية، فيقولون بأن الاستسلام يحمل معنىً نهائياً، أي أنه يُشير إلى شلل حتمي عن اتخاذ أي خيار، وهذا يتعارض مع النظرة المجردة للمشاعر على أنها (سلوك معين يهدف إلى تحقيق غاية معينة)، فالقول بأن المشاعر هي سلوك الإحباط يتماشي أكثر مع النظرة المجردة السابقة من حيث أن الإحباط يضع الإرادة في المعادلة، وبالتالي يجعل الاستسلام لها خياراً إرادياً نتخذه بسبب الإحباط أو الإخفاق...

كلامٌ أكبر مني بمراحل كثيرة! أكاد أرى أصحاب الكلام السابق يقولون لي: (ششش يا حبيبي، عيب، الكبار يحكوا...)!!! ولكني سأجازف بمغامرة طفولية وأقول بأنني شخصياً يعجبني تعريف المشاعر على أنها سلوك الاستسلام، لأنه تعريف يُعبر عن الضعف الإنساني، ويجعل المشاعر هي التجسيد الواقعي لهذا الضعف، بل يجعلها – كونها فعلاً استسلامياً – خلاصة الضعف الإنساني وختامه المأساوي...

الجمعة، 12 يوليو 2013

التغذية القسرية: تعذيب حقيقي...

هذه خاتمة المقالة الأخيرة (تغذية قسرية...) الموجودة في الأسفل... لأهمية الفيديو، ونظراً لطول المقالة الذي قد يحول دون وصول القارئ (إن وُجد) إلى خاتمتها، فقد رأيت ضرورة نشر الفيديو مستقلاً...


فيما يلي فيديو يُظهر تجربة قامت بها صحيفة ذي جارديان The Guardian البريطانية، تبرع فيها الممثل والمغني الأمريكي ياسين بي (الشهير بلقب Mos Def) لتجربة عملية التغذية القسرية كما تُنفذ في سجن قوانتانامو...

قبل مشاهدة الفيديو يجب التحذير... محتواه قد يكون مؤذياً لمشاعر البعض... ولكن، هذا ما قد يعانيه عشرات، وربما مئات الأسرى الفلسطينيين إذا تم إقرار القانون الخاص بالتغذية القسرية... فأرجو أن تكون لدينا مشاعر يمكن أن تتأذى...

تغذية قسرية...

عنوان هذه المقالة لا علاقة له برمضان، ولا علاقة له بالصحة... ولكن له علاقة بالمعاناة، وله علاقة بالصمت...

ما يُقارب من 5,000 أسير فلسطيني يُعانون في سجون الصمت، الصمت الإسلامي والصمت العربي، والصمت العالمي... سجنهم الحقيقي ليس الجدران التي يحرسها الجنود الإسرائيلييون، بل سجنهم الحقيقي هو القبر الذي تتعفن فيه جثة الضمير الإنساني... وكذلك معاناتهم، ليست الاعتداء والضرب الوحشي في غرف التحقيق، معاناتهم ليست التعذيب الإسرائيلي الذي أودى بحياة العشرات من الأسرى، ولا هو الإهمال الطبي الذي قتل منهم العشرات أيضاً، ولا هو القتل العمد والإعدام... معاناتهم، عذابهم الحقيقي، هو مللنا منهم ومن قضيتهم... عذابهم الحقيقي هو أن دماءهم أصبحت شفافةً لا نراها، صيحاتهم أضحت همساتٍ لا نسمعها، وموتهم أمسى خبراً مُضجراً يمر بسرعة على شريط الأخبار...

هؤلاء الأسرى لم يعد لديهم سبيل للمقاومة، سبيل لإثبات وجودهم، سوى الإضراب عن الطعام... وبذلك أثبتوا أنهم أحرار، أثبتوا بجوعهم أنهم أكثر حريةً منا بصمتنا... فكانوا جميعاً كشيخ الأسرى خضر عدنان الذي قال عنه الشاعر إياس يوسف نصر بأنه:

يـصومُ عــن الـــخبزِ لـــيحـــيــــا
فبخبزٍ لا يحـــيـــا الإنسان...
هل تعرف شخصاً مسجوناً
قد سَجنتْ معدته العُدوان؟!

نعم، كذلك الأسرى الفلسطينيون يحيون بالكرامة، لا بالخبز، وكذلك تفشل إسرائيل في سجنهم، وتسجن فقط معداتهم!


في الأيام الماضية، وبينما بدأت أمتنا الإسلامية، والعرب منا بالتحديد، بينما بدأنا في تجهيز موائد رمضان المترفة لكي نملأ بطوننا بتخمة اللامبالاة، لكي نُساهم في بناء سد الصمت بحشو أفواهنا، في هذه الأيام بدأت وزارة العدل (هل لهذه الكلمة وجود عند إسرائيل؟!) بدأت هذه الوزارة الوهمية، بالتعاون مع وزارة الداخلية والمخابرات الإسرائيلية وجهات أمنية وعسكرية متفرقة، في صياغة وترويج مشروع قانون يسمح لإدارة السجون بإطعام الأسرى المضربين عن الطعام بالإكراه. بالطبع لابد من أن تدعي إسرائيل أنها دولة قانونية وديمقراطية وغير ذلك من خرافات، وبالتالي فإن القانون المُقترح حول (التغذية القسرية) سوف يسمح بإطعام الأسرى بعد موافقة المحكمة! نفس المحكمة التي تسجن الأسرى ظلماً هي التي سوف يعود إليها تقرير ما إذا كانت هذه التغذية القسرية عادلة أم لا! أمرٌ غير منطقي، ولكن النزاع الفلسطيني الإسرائيلي لم يعد فيه مجال للمنطق ونتف الشعر...

الخميس، 11 يوليو 2013

تهنئة رمضانية، وبعض الصراحة...


رمضان مبارك...

‏كل عام والجميع بخير بمناسبة حلول شهر رمضان، والذي نسأل الله أن يهل علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، هلال خير ورشد، ربنا وربه الله‏، ونسأل الله أن يُعيننا على صيام هذا الشهر وقيامه، وأن يوفقنا المولى عز وجل إلى صالح الأعمال وأن يتقبلها منا.

وبعد هذه المقدمة، التي بالرغم من أنها إلزامية إلا أنها صادرة بنية صافية، فها هو شهر رمضان يأتي من جديد. من مفارقات الحياة، التي نستغرق فيها إلى حد الذهول، أن يكون شهر رمضان هو من المناسبات المتوقَّعة والمُفاجِئة في نفس الوقت! لعل الأمر لا يرتبط برؤية الهلال والحسابات الفلكية بقدر ما يرتبط بالتغيير الذي يلحق بحياتنا اليومية في هذا الشهر مما يجعل قدومه مفاجئاً، لأننا بطبيعة الحال دائماً متميزون في الإخفاق في إدراة أوقاتنا وتنظيم حياتنا!

وهنا تأتي الصراحة التي سأقول فيها بأني أتضايق من بعض هذه التغييرات التي يتسبب بها شهر رمضان المبارك...