الثلاثاء، 31 ديسمبر 2013

لعنة سنة 2013...

2013... سنة... سيئة...

أظن أن كلمة (سيئة) هي أكثر كلمةٍ محترمة يمكنني أن أصف بها هذه السنة دون أن أصاب بنوبة صرعٍ مِن شدة بساطة هذه الكلمة في التعبير عن مدى كرهي لسنة 2013...

الشيء الذي يجب فعله، دائماً، هو مقارنة الإيجابيات والسلبيات. لن أقوم بهذه المقارنة. هنالك بعض الإيجابيات، هنالك أشياء تعملتها واستفدت منها، حتى بعض التجارب السيئة تعلمت منها، وهنالك أمورٌ جيدة قمتُ بها، هنالك تطورات في العالم، ولكنني لن أضع هذه الأمور في الكفة المقابلة لكفة السلبيات... سبب عدم قيامي بهذه المقارنة هو أن بعض تلك السلبيات التي حدثت في سنة 2013 أجد نفسي مستعداً للتضحية بكل الإيجابيات في مقابل محوها أو نسيانها. مثلاً، تخيل أن شخصاً ما أعطاك مائة دولار، ثم قام بطعنك في إحدى عينيك! لقد أصبحت أعوراً يمتلك مائة دولار! هل يمكنك أن تقول: (كانت هنالك إيجابيات وسلبيات، وبالرغم من أنني فقدت عيني إلا أنني لا أستطيع إنكار أنني تحصلت على مائة دولار...) إذا قلت ذلك فأنت أحمق، لأن الإجابة الصحيحة (أو غير المجنونة!) ستكون بأن تقول بأنك مستعدٌ للتخلي عن المائة دولار في سبيل أن تعود عينك المسكينة. نفس الشيء أقوله عن سنة 2013، هنالك أشياء جيدة، ولكن الأشياء السيئة تطمسها تماماً، وأنا مستعدٌ للتخلي عن أي شيء جيد تحصلت عليه في سبيل حذف الأشياء السيئة من الوجود تماماً، لا أعني بحذفها نسيانها أو إصلاحها، ولكن أعني العودة بآلة زمن إلى الماضي وقتل أجداد كل الأشخاص المتورطين في القصة لكي لا ينجبوا أهلهم، ولكي لا يلتقي أهلهم ويتزوجوا، ولكي لا ينجبوا أولئك الأشخاص الذين سوف تقودهم الحياة للتورط في مسائل أجد نفسي في نهاية السنة ألعن سنةً كاملة بسببها... وأنا أحد أولئك الأشخاص... ولكن هنا ستواجهني معضلة الجد في السفر عبر الزمن... حسناً... تباً... إذا عدت بالزمن وغيرت أي شيء في ماضيِّ، فإن هذا سينفي وجودي في المستقبل كما أنا وبالتالي لن أعود بالزمن ولن أستطيع تغيير شيء ولن يتغير شيء... ولكن... هذا قد لا يكون منطقياً، أعني لو قمتُ بتغيير الماضي، فإن المستقبل سوف يتغير حتمياً، وصحيح أن هذا سيعني أنني لن أعود بالزمن، ولكن هذا سيكون نتيجة تغيير الماضي الذي سيغير المستقبل وسيؤدي إلى سلوكي طريقاً مختلفاً عن ذلك الذي أوصلني للعودة بالزمن لتغيير الماضي... لحظة... الخطة يمكن أن تنجح... الأمر منطقي تماماً، ولا داعي لكل تلك المشاكل، فأنا لن (أنفي) وجودي، ولكنني سأغير طريقي فقط، وبالتالي ما سيحدث هو أن الزمن سيستمر ولكن في طريقٍ أخرى، أعني أن الذي سيحدث هو أن تغييري للماضي سوف يكون جزءاً من المستقبل!

انتظري فقط يا سنة 2013، ريثما يتم اختراع آلة سفر عبر الزمن، وريثما أكتشف طريقةً أسرقها بها، فبلا شك لن أستطيع تحمل تكلفتها الغالية، وسوف أعود وأمحوك تماماً من الماضي أو المستقبل!

الجمعة، 27 ديسمبر 2013

عن كتابة ما يُقرأ...

في أحيانٍ كثيرة قد تمر على بضعة أمور تُثير فيكَ حماسةً للكتابة.. مواضيعٌ تُثير اهتمامك، ذكرى تفاجئُك، معلومةٌ جديدة، شيءٌ ما كنتَ تبحثُ عنه قديماً ولكنك نسيته... أشياءٌ كثيرة مختلفة تكاد ترى أثرها عليك واستنارتها في عقلك كالأفلام الوثائيقة الطبية: تراها تشتعل عبر خلاياك العصبية وهي تنتقل بسرعة إلى عقلك كالكهرباء لتنفجر فيه وتُشعل فيك تلك الرغبة في الكتابة...

ولكنك تتذكر شيئاً، شيئاً مثل مسمار جحا، إن كان مسمار جحا مُعلَّقاً وسط صدرك تماماً ليحمل كل تلك الهواجس التي تجعلك تتوقف عن التفكير في الكتابة وليس حتى الكتابة!

نعم، تريد الحديث عن هذا الابتكار وذكر قصةٍ طريفةٍ عنه، أو الحديث عن فليسوفٍ عابر ونظرياته العميقة والبعيدة، أو ربما حتى ذكر قصيدةٍ عابرة، أو التحسر على فوات فرصةٍ لحدثٍ من نوعٍ ما... لا تستطيع فعل أيٍّ من ذلك، لأنك بكل بساطة لا تريد أن ترمي بما لديك ليقرأه آخرون لا تريدهم أن يقرأوه، فتجد نفسك في نهاية المطاف لا تكتب شيئاً، أو تكتب هراءً (وهذا هو الوصف العلمي لهذه السطور!) والهراء أدنى مرتبةً من العدم، أعني (الشيء التافه) أسوأ من (اللاشيء)، ولعل رغباتنا في إرضاء غرورنا والتواصل وكل الكلام الفارغ الذي يتعلق بهذه الأمور النفسية قد يُفسِّر أننا نُقدِّم (أشياءً تفاهة) مع أننا نعلم أنها أسوأ من عدم تقديم أي شيء، وهي نتيجة طبيعية لتضارب حاجتين: الغرور والخصوصية، تريد أن تُعبِّر عن نفسك (الغرور لا يحتاج لأن يكون بمفهوم سلبي هنا، قد يكون بمفهوم إيجابي، وأنا لستُ عالم نفس!) ولكنك في نفس الوقت لا تريد أن تُعبِّر عن نفسك للجميع، والنتيجة نصٌ تافهٌ لا تعلم لماذا تكتبه أو كيف يمكن قراءته... والمأساة كلها حلقةٌ مفرغة، فلكما ازداد ارتيابك كلما ازدادت حقيقة ضياع خصوصيتك، على الأقل بالنسبة لك أنت وجنونك، وفي النهاية تجد أن الخصوصية أصبحت زاويةً ضيقة تزداد ضيقاً من كثرة ما تضطرك الحياة للتراجع بعيداً عن الناس...

لا تستطيع حتى أن تُلمِّح لأي شيء، لأن جوجل قد أنهى تماماً وظيفة (التلميح)، فكل تلميحٍ يكاد يكون مجرد رابط! أو بالأحرى عبارةً يتم قصها ولصقها (كوبي بيست!) في محرك بحث جوجل لكي تفقد كلماتك أي نوع من أنواع الخصوصية. والأمر بالطبع أسوأ بكثير حين تُدرك أن بعض الناس لديهم هوس أو رغبة أو فقط فراغٌ عميق يمنحهم قدراتٍ جاسوسية في البحث الجوجلي! لم يعد بإمكاننا إخفاء أي شيء – ناهيك عن التلميح! – وأصبحت كل كلمة مُعلَّقة على الخوف من انتهاك خصوصيتك، وهو خوفٌ حقيقيٌ جداً: شخصٌ ما يُفتش جيوبك، ويعبث بهاتفك، ويُقلب صفحات دفاترك، وينتزع الكتاب من بين يديك ليقرأ عنوانه ويرى أن وصلت، ويغمس أصابعه في عقلك وقلبك ليعبث بأفكارك ومشاعرك، وكل ذلك دون أن تستطيع أنت فعل شيء سوى الالتزام بالصمت ومحاولة كتم الألم الذي تُحس به في صدرك، مدعياً الأدب والاحترام والإنسانية، أي ببساطة مدعياً الاجتماعية، وهي في خلاصتها مجرد رياء وخداع وليغفر الله لي زلتي!

ولكن، كيف تستطيع اختيار من يقرأ ومن لا يقرأ، ومن يفكر، ومن يبحث، ومن يتجسس، ومن يفعل أي شيءٍ يريد إذا كنت تكتب لتنشر على الإنترنت أمام أعين الجميع؟!!!

السبت، 14 ديسمبر 2013

مَن يُحرِج مَن؟

وبدأ الإحراج العالمي لليبيا يوم 9 ديسمبر حين فضَحَنا مُمَثِّل الأمم المتحدة طارق متري أمام مجلس الأمن (والعالم!) بتقريره الذي ذكر بأن 27 شخصاً قد لقوا حتفهم نتيجةً للتعذيب في سجون ليبيا في السنتين الأخيرتين. هذا الإحراج (الأُممي) تلاه بيانٌ صحفي من منظمة العفو الدولية، بنفس التاريخ، تُطالِب فيه بالتحقيق في وفاة أحد أفراد القوات الخاصة جراء التعذيب أثناء اعتقاله في طرابلس. وفي نفس السلسلة من الإحراجات الدولية صَرَّحت سفيرة الاتحاد الأوروبي في ليبيا بضرورة قيام السلطات الليبية بالسيطرة على جميع (مقرات الاحتجاز)، وتحدثت عن التعذيب بالإضافة إلى العنف وحقوق النازحين والمهاجرين. وكأن كل هذا لا يكفي، فقد جاء كل هذا الإحراج (الإنساني) بالتزامن مع اليوم العالمي لحقوق الإنسان!

موقفٌ مُحرِجٌ بلا شك، أن يكتشف العالم بأن الشعب الليبي كان يكذب حين ادعى بأن ثورة 17 فبراير هي ثورة تطالب باحترام الحقوق الإنسانية! وأن يتضح أن اتهامنا لنظام القذافي بارتكاب جرائم التعذيب كان مجرد (بروباجاندا) عادية في سياق تشويه سمعته. نحن شعبٌ عنيف ودموي إلى أقصى الحدود، والتعذيب بالنسبة لنا مجرد هواية لقتل الوقت (والأسرى أيضاً!)؛ ولذلك فإن مواقفاً دوليةً من هذا النوع بلا شك سوف تُحرِجُنا وتفضحُنا... أليس كذلك؟

بالطبع سوف نقول بأن هذه الجرائم لا تُمثِّل إرادة الشعب، ومَن يقومون بها هم أشرارٌ مارقون يمارسون العنف والترهيب لترسيخ سلطة الرعب والسلاح – أمرٌ حتمي في فوضى ليبيا ما بعد الثورة. جرائمٌ يرتكبها مجرمون وحسب، سواءً أكانوا ثواراً حقيقيين قاتلوا ونزفوا في الجبهات، أو أشباه ثوارٍ جمعوا السلاح المترامي بعد انتهاء المعركة؛ فأي شخص يَسجِن أناساً دون أدلة ودون حقوق إنسانية ويُعذِّبهم ويقتلهم هو مُجرد مجرم لا يمتلك أي حق أو شرعية، يمتلك فقط سجناً وأدوات تعذيب. وهذه الجرائم لا تُمثِّل الشعب الليبي الذي ثار أصلاً ضدها؛ وبالتالي فإن هذا (الإحراج العالمي لليبيا) قد لا يكون إحراجاً وإنما (دعماً دولياً لليبيا) لكي تواجه مشكلة التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان، بل هو دعمٌ حتى لشرعية الحكومة التي يجب أن تدعم حقوق الإنسان في مواجهة الكتائب والمليشيات والعصابات التي تنتهك هذه حقوق. إذا كان هذا هو الواقع، فلابد أن الحكومة المُنتخَبة سوف تُعبِّر عن إرادة الشعب المؤيدة لحقوق الإنسان والرافضة لهذه الانتهاكات، وسوف تكون سعيدةً بهذا الدعم الدولي لشرعيتها... أليس كذلك؟

الجمعة، 13 ديسمبر 2013

باراسكيفيديكاتريافوبيا...


واليوم هو يوم الجمعة 13، أحد أشهر أيام السنة الميلادية! وربما الفرصة الوحيدة لمن هم مثلي للاحتفال بشيءٍ ما في نهاية السنة، على الأقل هذه السنة التي جاءت فيها الجمعة 13 في شهر ديسمبر... طبعاً الاحتفال في نفس المقعد دون تغيير وضعية الجلوس أو القيام بأي شيء مُميَّز... ربما الاحتفال وصف غير سليم، ربما فقط (الانتباه) لهذا التاريخ...

لا أعلم بالضبط لماذا أريد الحديث عن هذا اليوم، ولكن لم لا...

في عالمنا العربي والإسلامي لا يعني لنا التشاؤم شيئاً، على الأقل لا يرتبط في ديننا وتراثنا أي شيء بيوم الجمعة أو بالرقم ثلاثة عشر، بل على العكس، يوم الجمعة يومٌ مُباركٌ عندنا. ومع ذلك، وإن نجى يوم الجمعة من الوقوع في هاوية التشاؤم والخرافات، فإن الرقم ثلاثة عشر لم يكن محظوظاً بنفس الدرجة، فقد تسربت إليه عندنا بعض تلك الخرافات التشاؤمية من الغرب. ومع ذلك فالحديث هنا سيكون عن هذا اليوم في الثقافة الغربية... وبما أننا نعتمد اليوم على الغرب في كل شيء، الأفلام، الموسيقا، الأخبار، الموضة، الفنون بجميع أنواعها، التكنولوجيا، الطعام، الفيزياء، الأشجار، لا أعلم... المهم أننا نعتمد عليهم في كل شيء ونستورد ثقافتهم بالطن يومياً، ولذلك ليس غريباً أن نتحدث عن هذا اليوم وأصوله في الثقافة الغربية التي نحاول جاهدين استنساخها...

 موضوع ليوم آخر... أو بالأحرى صداع ليوم آخر...

الجمعة، 6 ديسمبر 2013

الأشخاص الذين يستحقون الصمت في زمن الثرثرة.


عرفتُ زياد بن حليم لفترةٍ لم تكن طويلة، ولكنها كانت كافيةً لأعلم بأن رحيله عنا مأساة...

مَن يعرفون زياد جيداً سيسترجعون ذكرياتهم معه: رحلاتهم وأسفارهم ومغامراتهم، قصصٌ مُبهِرة، وأخرى مُضحِكة، وغيرها مجنونة! للأسف مغامراتي مع زياد كلها تدور حول طاولات مقهى بكرج... آخرون قد يتحدثون عن سيرته: نشاطه السياسي والمدني، عمله، معارفه، مشاريعه... جوانبٌ مهمة في حياة زياد، سيفتقده كثيرون بسببها، وله مني كل الاحترام والتقدير والإعجاب عليها بالرغم من عدم معرفتي الدقيقة بكل تفاصيلها. وهنالك من سيتحدثون عن ثقافة زياد وعقليته (وأنا من هؤلاء) عن معرفته الواسعة، وبحثه الدائم عن معلوماتٍ جديدة، مهاراته في المناظرة، منطقيته وعقلانيته، دعمه للحرية الفردية، وقوفه مع تحرير العقول بدلاً من استعبادها، بحثه عن الحقيقة وتقديمها على أي مصالح أو وجهات نظر شخصية – لقد كان زياد رحمه الله عبقرياً، دون أي مبالغة... وبالطبع، فإن أي شخص يتحدث عن زياد لن ينسى ذكر فكاهته وطرافته، سخريته اللاذعة، التي حين تختلط بعبقريته فهي تصبح سلاح دمارٍ شاملٍ (مرةً أخرى بدون أي مبالغة!)...

أشياءٌ كثيرة سيتذكرها الناس عن زياد وسيتحدثون عنها... أي إنسان يمشى فوق هذه الأرض ستكون له سيرة حياةٍ، ولكن الفرق في قراءة سير الناس قد يكون تماماً كالفرق بين قراءة فاتورة كهرباء وبين قراءة ديوان شعر: هنالك أناس، وهنالك أناسٌ رائعون... زياد كان إنساناً رائعاً بكل معنى الكلمة...

وبالرغم من كل ما يمكن كتباته عن زياد رحمه الله فإنني أريد الكتابة عن صفة مُحدَّدة في زياد: زياد رحمه الله كان كثير الكلام... من يعرفون زياد قد يمزحون حول كثرة كلامه وبراعته في السيطرة على مجرى الحوار! الكثير من الناس كثيرو الكلام، ولكن قليلون جداً هم من يستحقون فعلاً أن نصمت ونستمع لكلامهم...

زياد بن حليم رحمه الله كان أحد الأشخاص الذين كنتُ أحب أن أصمت وأستمع لكلامهم...

بمجرد أن تجلس معه يمكنك أن تكون على ثقة بأنك سوف تستفيد... زياد رحمه الله لم يكن فيلسوفاً، أعني أنه لا يتحدث فقط عن مفاهيمٍ مُجرَّدة ومبادئ مثالية وتعريفات أكاديمية، بلا شك كان يعرف هذه الأشياء ويستطيع أن يتفلسف حولها، ولكن حين تستمع إليه فأنت تُدرك أنه لا يفكر فيها، وإنما يُفكِّر في الجانب العملي: يعرف النظرية ويُفكِّر في التطبيق – وهذا ما كان زياد يتحدث عنه، ولهذا كنتُ أحب أن أصمت في حضرته بقدر الإمكان (من الصعب مقاومة تلك الرغبة الليبية الحارقة في المعارضة والنقد!). كل الناس مثلاً يتحدثون عن الفساد، وضرورة إنهاء الفساد، ولكن اسأل شخصاً واحداً كيف ستفعل ذلك، وإن لم يقل لك (بتفعيل القضاء وتطبيق القانون!) وهي إجابة أسوأ من السؤال لأنها غير عملية إطلاقاً، فإنه لن يستطيع إجابتك... زياد رحمه الله لم يكن من هذا النوع، زياد كان من العقول التي تتجاوز الحديث عن القيم والمبادئ والأخلاق والدين وغيرها من المثاليات المستحيلة، لن يُحدِّثك عن الضمير والوازع الديني وتطهير القضاء للقضاء على الفساد، لكنه سيبدأ فوراً بالحديث عن الموظف، والمكتب، والمبنى، والخدمات، والدورات، والمُحفِّزات، والمدراء... زياد كان يُفكِّر فعلاً في توفير (إجابة) للسؤال وليس فقط إعادة طرح نفس السؤال ولكن دون علامة استفهام...

لقد كان زياد يعرف بالضبط عن أي شيءٍ يتحدث، يبحث عن الإجابات التي تُحوِّل المشكلة المطروحة مِن لغزٍ فلسفي إلى خطة عملٍ يمكن فعلاً تنفيذها... وربما كان هذا هو سبب تفاؤل زياد وإيمانه بالمستقبل؛ لأنه كان يعرف كيف يمكننا أن نصل لهذا المستقبل، فكان يراه بوضوحٍ أفضل من بقية المتفائلين العميان...

هذه العقلية العملية (والمتفائلة) ربما كانت السبب في توافد الناس على مقهى (بكرج) لطرح فكرة على زياد، مناقشة مشروع معه، عرض مسوَّدةٍ عليه، سؤاله عن مُخطَّطٍ ما... لقد كان زياد مستشاراً يتزاحم عليه الجميع: ينصرف زياد عن الطاولة التي نجلس حولها في المقهى، ليجلس في زاويةً ما مع بضعة شباب يناقش معهم مشروعاً تجارياً، ثم تراه يقف في زاويةٍ أخرى مع شخص يعرض عليه أوراقاً ومستنداتٍ مختلفة لمشروعٍ سياسي، ثم تجده يجلس داخل المبنى الصغير في المقهى مع بضعة أشخاص حول كمبيوتر للإطلاع على تفاصيل دورةٍ تدريبية، أو تجده قد انتقل إلى إحدى الطاولات يتبادل الأفكار مع بعض نشطاء المجتمع المدني حول مشروعٍ خيري... الجميع كانوا يريدون سماع رأي زياد؛ لأن آراءاه كانت حديثة، مبتكرة، إبداعية، وفوق كل شيء: واقعية وعملية... ولعل هذا من أكثر ما يُحزنني في رحيل زياد؛ فالأشخاص مثل زياد رحمه الله، أصحاب العقول الواعية والعملية، هم من يُمهِّدون الطريق لبناء المستقبل... اليوم لا يستطيع أحد بناء أي شيء وسط كل هذه الفوضى وهذا الدمار... ولكننا اليوم نستطيع أن نجلس وسط الركام ونبدأ في التعلم شيئاً فشيئاً: زياد بن حليم كان أحد المُعلِّمِين... كان أحد الأشخاص الذين لا يضايقونك بالدعوة للتفاؤل الأعمى والوقوف في طابور انتظار الفرج، كلا، زياد كان يُقنعك بالتفاؤل لأنه كان يعرف ماهية التفاؤل: زياد كان يُعلِّمك كيف تبني ذلك المستقبل الذي نتشوق إليه، يشرح لك التفاصيل العملية والواقعية، فتُدرك فجأةً بأن التفاؤل بالنسبة لزياد وأمثاله ليس مجرد أملٍ مستحيل ولكن التفاؤل هو خطة عمل...

إن رحيل زياد المفاجئ هو بالفعل خسارة كبيرة لمستقبل بنغازي خاصةً وليبيا عامةً؛ فنحن اليوم في أمس الحاجة لأشخاص يُفكِّرون مثل زياد ويُعلِّمون مثل زياد...

اعذرني يا زياد على هذه الكلمات التافهة... وسامحني لأني لم أتواصل معك كما ينبغي في الشهر الفائت... وشكراً يا سيدي، شكراً على كل الدروس التي تعلمتها منك، وشكراً لأنك أوثقت في داخلي الأمل في أن هنالك حلول وهنالك إجابات: نحن فقط نحتاج لأن نجد شخصاً رائعاً مثلك يستحق الصمت، يستحق أن نستمع له بدلاً من أن نُغرقه معنا في ثرثرة هذا الزمن الذي أصبح فيه الجميع يتحدثون ويتفلسفون، وقليلون جداً من يُعلِّمون...

رحمك الله يا زياد، وغفر لك، وأسكنك فسيح جناته... ورزق الله ذويك الصبر على فراقك... ورزق كل أحبابك وأصدقائك ومعارفك وتلاميذك الصبر على فقدك... ورزق بنغازي وليبيا أيضاً الصبر على مواجهة هذا الحاضر بدونك...


رحمك الله يا زياد...