الاثنين، 29 يوليو 2013

حين يغيب الحب والجمال عن الشِّعر...

في ثلاثينيات القرن الماضي وقعت إسبانيا في هاوية الحرب الأهلية، وشهدت دماراً وحزناً شبيهاً بما تقاسيه بلادنا الحبيبة الآن، وهي تداعياتٌ حتميةٌ لكل الثورات الحمراء والحروب؛ فالعنف العالق بكفاح الحرية غالباً ما يُخلِّف وراءه جراحاً غائرة لا يمحو آثارها الزمن؛ فحين تحترق البيوت وتُدفن الذكريات تحت ركامها، وحين يقتل الأخ أخيه، حين تجري دماء الأطفال البريئة في الشوارع، حين تُزرع الأرض رصاصاً وتُسقى دماً، فإن ذلك يُشوِّه حاضرنا، ويُورِث تاريخنا ندوباً لا بلاسم تشفيها، ويفرض علينا تغييراً وتحولاً لا يفهمه غيرنا...

وحين اشتد سعير الحرب الأهلية في إسبانيا، كان الشاعر التشيلي الجليل (بابلو نيرودا) مُقيماً فيها، جسداً وروحاً. وكان شعره الرقيق العذب من ضحايا تلك الحرب؛ فقد تخلى نيرودا، مُرغماً، عن حياده السياسي وسلميته، نبذ الحب والطبيعة اللذين يزينان كل بيتٍ في قصائده، فأصبحت قصائده تقطر دموعاً ودماً.

إنَّ القارئ لشعر نيرودا في تلك الفترة سيتفاجأ بلا شك بشدة ألمه، وستصدمه كلماته المــُفجعة. وفي الحقيقة، فإن العالم كله في تلك الفترة تَحيَّر في هذا الانقلاب الذي حدث لشِعر نيرودا وأطاح بالجمال والحب؛ فقد تحولت قصائده من حدائقٍ بديعةٍ تجري فيها أنهار الحب، إلى مقابرٍ مُظلمةٍ تُغطيها غيوم البارود وتغمرها فياضانات الدماء. ردة الفعل هذه، على تغيُّر شعر نيرودا، دفعت به إلى تفسير موقفه وشرحه، فنظم قصيدةً سماها (أنا أفسر بعض الأمور).


حين قرأتُ هذه القصيدة لأول مرة، منذ وقتٍ بعيد، قرأتها كغيري من القراء: تفهمتُ مُعاناة الشاعر فيها بنوعٍ من التعاطف، وقدَّرتُ موهبته الشاعرية، وحسب. ولكنني اليوم حين أعود لقراءتها، فكأنني أشاهد (الجزيرة)، كأنني أطالع أحد المقاطع التي تُبَث على الإنترنت من شوارع ليبيا، كأنني أقرأ أفكار وخواطر الليبيين كلهم؛ فهي قصيدةٌ تعكس المشهد الليبي بتماثلٍ مُذهل. تترجم مشاعر الليبيين اليوم – الذين اصطبغت مشاعرهم بقتامة الحزن السوداء، وتشوَّهت وجوههم بجراح الوطن المفدى، وتمرغت قلوبهم في تراب الرثاء.

يبدأ نيرودا قصيدته بأسئلة الناس له، أسئلتهم له عن شعره، فهم يسألونه عن اختفاء معابد الحب والجمال التي كان يبنيها بشِعره، يسألونه عن ذبول الأزهار التي كانت تمنو في كلماته، وعن ضياع الطيور التي كانت أجنحتها حروفه. فيرد عليهم نيرودا: (سوف أروي لكم كل الأخبار...) ويبدأ من حيه الذي كان يعيش فيه:

    كنتُ أعيشُ في ضاحية،
    ضاحيةٍ في مدريد، بها أجراسٌ،
    وساعاتٌ، وأشجار.

ويشرع في وصف الحياة في مدريد، يشرح النهار والمساء، الأيام العادية، يبدأ من بيته، وينطلق عبر مسيرة الذاكرة:

    منزلي كان يُسمى
    منزل الأزهار، لأنَّ في كُلِّ شقٍّ فيه
    تُزهِر ورود الجيرانيوم: لقد كان
    منزلاً حسن المظهر

ويسأل نيرودا معارفه وأصدقائه بحنينٍ هل يتذكرون جلساتهم في منزله بين الأزهار وتحت برودة الشمس. وينطلق عبر الذاكرة، يتحدث عن (كل شيء): عن الناس، والأصوات، والأسواق، يعبر الشوارع، ويلتف حول التماثيل، يمشي على إيقاع خطوات الناس وهمس أيديهم، ويترجم صدى الحياة في حثيث الأشجار، يُذكِّرنا حتى بأسقف البيوت، وبالبطاطا والطماطم في سوق الخضار. يُحدِّثنا نيرودا عن كل شيء بحزنٍ وفخر، يجعلنا نحب معه كل ذكرياته، ويصف كل شيء بجمالٍ يليق بشعره... لكن وصفه، في هذه القصيدة، يبدو صامتاً، متردداً...

ثم، فجأةً، يصدمنا نيرودا بما حدث:

    وفي صباح أحد الأيام كل ذلك كان يحترق.
    في صباح أحد الأيام الِمحرقاتُ
    وثبتْ خارجةً مِن الأرض
    تلتهم البشر
    ومنذ ذلك الحين نار،
    بارودٌ منذ ذلك الحين،
    ومنذ ذلك الحين دم.

يغيب الجمال والحب عن القصيدة، وتحل محله النيران والدمار. وينتقل نيرودا من أسى الحرائق ودخانها، إلى توهُّج الغضب والكره، فيتحدث عن العصابات التي تسفك دماء الأطفال، يتحدث عنهم وعن طائراتهم وعن مرتزقتهم السود وكأنه يصف أعداء ثورتنا في ليبيا. ويُبرِّر نيرودا كرهه لهم بالطبيعة نفسها، فيقول بأنهم (أبناء آوى يحتقرهم أبناء أوى) وأنهم (أفاعٍ تمقتها الأفاعي).

ومن على منصة الدمار والشظايا، وعبر أجراس المشاعر المحترقة بالغضب، يُخاطب نيرودا القادة الذين يقتلون أبناء وطنهم ويدمرون بلادهم بأيديهم، وكأنه يخاطب قادة الكتائب الجحيمية في ليبيا الذين يقصفون بالموت والدمار إخوانهم تلبيةً لأوامر ربهم المجنون، ويُنبِّئهم نيرودا بأن الدمار يُولِّد الانتقام، وأنه من الضحية يولد الثأر:

    الجنرالات
    الغادرون:
    انظروا إلى منزلي الميت
    انظروا إلى إسبانيا المكسورة
    مِن كُلِّ منزلٍ يفيضُ المعدن المُحترِق
    عوضاً عن الأزهار،
    من كل مِحجرٍ في إسبانيا
    تنبثقُ إسبانيا
    ومن كل طفلٍ ميت بندقيةٌ بأعين،
    ومن كل جريمة يُولَد رصاصٌ
    سيجد في أحد الأيام
    وسط الهدف في قلوبكم.

إنها كلماتٌ كالمرآة، تعكس ما يحدث في بلادنا الآن، تُصوِّر لنا الدمار، وتخبرنا عن الكفاح الذي يولد منه.

بعض الناس يستغربون ما يجري في بلادنا وما يحدث مع شعبنا، ويتساءلون كما تساءل الناس سابقاً عن التغير في شعر نيرودا؛ فهم لا يفهمون أسباب التغير الذي حدث، ولا يدركون بأن الألم والدمار في بلادنا هي نتائجٌ حتمية للعبء الأحمر الذي وقع على عاتق ثورتنا.

الناس يرون شعبنا يعانق السلاح ويحتضنه فيظنون أنه شعبٌ عنيف يُحب القتال، ولا يعلمون أن الشعب لم تعد لديه أزهارٌ يحبها، فالجمال عندنا قد تبدَّل بالنيران، لا يعلمون أن الأمان أصبح حبيس مخازن المسدسات، يختبئ بين الماسورة والزند، في انتظار انطلاقةٍ تنقذ حياةً وتخطف أخرى. يستغرب العالم أصداء الرصاص التي تتردد في شوارعنا، وصيحات الانفجارات الغاضبة المتواترة، يظنون بأننا لا نتقن سوى عزف أنغام الموت والعراك، ولا يعلمون بأن أناشيدنا أصبحت تهيم في المقابر، وأن الأغاني عندنا ارتدت ملابساً عسكرية واستبدلت كماناتها بطبول الحرب والحرية. يفزع العالم من رؤية رسوم أطفالنا، بألوانها الحمراء والسوداء، بدباباتها وطائراتها، بجنودها سود الوجوه، ويظنون أطفالنا جرحى النفس والفؤاد، وهم لا يعلمون أن أطفالنا يرسمون بألوان النصر والكفاح، لا يعلمون أنهم لم تعد تخيفهم الكوابيس بعد أن فقدوا أطرافهم، ولعبوا برصاصٍ وشظايا استُخرِجت من أجسادهم الطاهرة. يستوحش العالم من الطبيعة التي يرونها في بعض أركان بلادنا، ويظنون أن بلادنا كلها صحراء وجبالٌ وعرة، وطرقٌ خاوية، ولا يعلمون بأن هذا هو فقط الطريق من الكفاح إلى النصر، لا يعلمون بأننا خرجنا من حدائق الأمان إلى صحراء الحرب لنحمل إليها غيث النصر.

بلادنا أيضاً غاب عن شِعرها الحب والجمال، وأمست قصائدها رثاءً ورجاء، لم تعد الكلمات تنبض بالسعادة، بل أصبحت تنتفض بالكفاح، حروفنا أصبحت سيوف غضب، لا زهور حب... ولكننا مازلنا نُخبئ الحب في قلوبنا، ومازلنا نحفتظ بالسعادة ليوم النصر، ومقابر الغضب والكره والدمار محفورةٌ وجاهزة، لتُدفن فيها كل آلامنا بعد أن نقيم حفل زفاف الحرية والنصر.

فلا تلومونا إن أحببنا اليوم البنادق، واعذروا اعتيادنا على سيل الدماء، ولا تستغربوا تجاهلنا لرنين الرصاص وضجيج الانفجارات.

ولا تسألونا لماذا أصبحنا نتسامر على الجبهات، ونتجالس في المقابر.. لا تسألونا لماذا أصبحنا نقرأ سورة الفاتحة في كل وقت، ولماذا تروننا نصلي كثيراً بدون سجودٍ أو ركوع.. لا تسألونا لماذا أصبحت الأمطار تهطل من أعيننا، ولماذا أصبحت الرياح تهب من حناجرنا.. لا تسألونا لماذا يحمل حبنا كلاشينكوف، ولماذا تجلس سعادتنا فوق دبابة.. لا تسألونا عن غياب الحب والجمال عن بلادنا...

لا تستغربوا وتتعجبوا، وتذكروا ما قاله نيرودا، في ختام قصيدته تلك، مُجيباً سائليه عن غياب الحب والجمال عن شِعره:

    وسوف تسألون: لماذا لا يتحدث شعره
    عن الأحلام وأوراق الأشجار
    وعن البراكين العظيمة في بلاد منشأه؟
    تعالوا وأبصروا الدم في الشوارع
    تعالوا وأبصروا
    الدم في الشوارع
    تعالوا وأبصروا الدم
    في الشوارع...

ليبيا المستقبل: 4 يونيو 2011


* ملاحظة: حين كتبتُ هذه المقالة، كنتُ فعلاً أتصوَّر بأن كل هذا العنف سوف ينتهي، كنت أظن بأننا سوف نغتسل بالنصر من كل الدماء... لم أكن أتصور أبداً بأننا سوف نُغرِق بعضنا البعض في دمائنا، لم أكن أتصور بأن الحب والجمال الذي غاب عن بلادنا قد دُفن أيضاً في نفس المقابر التي دُفن فيها الشهداء الأبرار... ها نحن اليوم ننفي كل ما حدث... ها نحن اليوم نُؤكد للعالم بأننا مجرمون، بأن الدماء لن تتوقف عن الجريان، بأننا سنقتل وندمِّر، تماماً كما تعلمنا جيداً أثناء الثورة... ثورة الحرية والكرامة، ثورة الكفاح، ثورة الإنسان... لقد ظننا أن اللون الأحمر سوف ينجلي... لقد ظننا... واليوم ندرك بأن ذلك اللون باقٍ... اليوم يُفجَّر الأبرياء، وينتاثر اللون الأحمر في كل مكان، اليوم يُغتال الناس يميناً ويساراً وتُنشر صورهم الحمراء... اليوم لم يعد علم ليبيا، علم الثورة، يحمل ثلاثة ألوانٍ أو أربعة... لقد غرق أكثر مما يجب في الدماء، ولم يعد له إلا لونٌ واحد... يا إلهي يا ليبيا...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق