الاثنين، 22 يوليو 2013

ناجي العلي: ذكرى الأمل...

"ريشتي... هي سلاحي الوحيد الذي أواجه به شراسة قوى الشر في هذا العالم."

في مثل هذا اليوم، منذ 26 سنة، وقفت ريشة ناجي العلي في مواجهة كاتم صوت قوى الشر... تصارعت الريشة مع المسدس، الحبر مع البارود، الدماء مع الغدر...

وفي مثل هذا اليوم، منذ 26 سنة، انتصرت ريشة ناجي العلي على كل قوى الشر في العالم... في مثل هذا اليوم، 22-07-1987م، رسم ناجي العلي لوحته الأخيرة بدمائه على أرصفة المنفى، وكان قد ترك وصيته في رسوماته الأخيرة: ارفعوا أيديكم عن المخيمات، مبروك يا فاطمة.. جاءك.. حجر، من يتنازل عن جزء من وطنه.. لا يستحق الجزء الآخر، لا رأس فوق المساءلة.. لا حصانة أمام العدل، كنسوا قادتكم الفاشلين، لا لكاتم الصوت... لا للاغتيالات السياسية، الوصايا العشر: لا تصالح.. لا تصالح.. لا.. لا...


حياة ناجي العلي لم تُنهى فجأةً، لم تُخطف، بل اختُتِمت بالشهادة، بتجسيد البطولة، بولادة الأسطورة... الرسوم رُسمت، والمبادئ أُرسيت، والوصية كُتبت، والتضحية جاءت لحظتها... لم يكن الموت بالنسبة لناجي شيئاً طارئاً، مفجأةً مُفزعة مليئةً بالسواد والهلع، كلا، لقد كان الخطوة التالية لمسيرته المستحيلة... لم تحن لحظة الشهادة إلا لكي يخترق ناجي بموته كل الخطوط الحمراء التي كان يرقص فوقها في حياته... تلك الخطوط الحمراء التي كان ناجي يدرك مدى بشاعتها ويشعر تجاهها بالقرف...

"بلا خطوط حمر... بلا خضر... بلا... شو بدهم؟ يطخوني؟! ولك شو بتسوى هالعيشة؟! ولك لوين رايحين فينا؟!" ناجي العلي، في ربيع 1987 قبل اغتياله بأشهر، رداً على تعليق عن ملامسته للخطوط الحمراء.

لقد كان ناجي يعلم جيداً أنه كلما أمسك ريشته فقد كان يرسم روحه، وطنه، شعبه، قضيته، مبدأه، عقيدته، وأيضاً وصيته التي يقف حنظلة شاهداً على أن ناجي كتبها بكامل قواه العقلية وبكامل بطولته الجنونية.


لقد كان ناجي العلي رحمه الله ظاهرةً عجيبة لأنه لم يكن يجامل أحداً، كان يتألم بكل صراحة، ولم يكن يكتم صراخه خوفاً من هذا النظام أو ذاك القائد أو تلك الأجهزة الأمنية والاستخباراتية. لقد كان ناجي العلي يعيش معاناة الفلسطينيين والعرب بكل وضوح. ولذلك كان الجميع يحبونه ويكرهونه؛ يحبونه لأنه يوفر عليهم عناء البطولة بقول ما لا يستطيعون قوله، ويكرهونه لأنه يُشعرهم بالخجل من صمتهم العميق. نعم، لقد كان ناجي العلي رسَّام الإنسان الأول، وحتى رسوماته تكاد تخلو من الشخصيات المعروفة، دائماً يهمه المواطن، معاناته، أفكاره، صراخه، صمته، جراحه... وهي هذه الصراحة، هذه الشجاعة في مواجهة الواقع التعيس، هي التي كانت تجعله يصرخ من على قمة ريشته: لا لكاتم الصوت! لا للخيانة! لا للتخاذل! لقد كان ناجي العلي صريحاً مع الجميع، صريحاً لدرجة أنه يعترف هو نفسه بأن الكاريكاتير فن عدواني لا يُؤمَن جانبه! ففي اليوم قد يكون أفضل صديقٍ لك، وفي الغد قد يصبح ألد أعدائك، لماذا؟ لأنه صريح، لأنه لا يخشى لومة لائم، بل هو دائماً اللائم! وهي هذه الصراحة التي كان ناجي العلي يريدها، يريدها من الأعداء أولاً، من الذين هم أسباب كل مشاكل المواطن البسيط ذو الثياب المرقعة، كان يريد من أولئك المجرمين أن يكونوا صرحاء، أن يعلموا بأن هنالك من يراقبهم ويعرفهم جيداً، أن يعلموا بأن حنظلة يكتف يديه لكنه لا يكتف ضميره... لا لكاتم الصوت! اظهروا وبانوا، ولتَقُم الحرب المـــُـعلنة!

ولكن، يا ناجي، أين هم من شجاعتك وصراحتك؟ أين نحن من شجاعتك وصراحتك؟ أين كل أفعالهم من صراحة حنظلة وظهره المــُدار للخيال ليواجه الواقع؟ وأين نحن وأفعالنا من أيدي حنظلة التي تقتلنا بالخجل طوال الوقت؟ ناجي العلي كان يقف وسط الحلبة ويُعلن على الملأ القوانين الشريفة للنزال، ويتحدى الجميع... ولكن أين كاتم الصوت الخبيث من ريشتك النبيلة يا ناجي؟

"الفنان الملتزم يُعبِّر عن هموم شعبه، وهذا يحتاج منه أن يكون ذا نوعيةٍ خاصةٍ من البشر، صاحب رأيٍّ وعقيدةٍ ومبدأ."

لقد تعرفتُ على ناجي العلي منذ ما يزيد على 15 سنة تقريباً. تعرفتُ عليه على صفحات كتاب قديم يحوي العديد من رسوماته التي بلغت عشرات الآلاف، وفوراً أحببته، فوراً اعتبرته بطلاً، قديساً، أسطورةً حقيقيةً لدرجة الخيال! يا إلهي كم فعل هذا الرجل بريشته! كم حقق ببعض الحبر والأوراق! لقد كانت رسومه وكلماته – ومازالت – إرشاداتٍ للضمير، قصائد فخرٍ ورثاءٍ بالأبيض والأسود، مازلتُ أحفظها وأرددها، وأعود لها بلهفة بين الحين والآخر. لأنها، وبكل أسف، مازالت مرآةً نرى فيها أنفسنا اليوم، نرى فيها بشاعتنا، تماماً كما كنا نراه بالأمس... مازالت رسوم ناجي العلي حقيقةً تدفعنا للهرب أو الانتحار أو تلقيم المسدسات الكاتمة للصوت...

ولكنني لم أتعرف على ناجي وحده، لقد تعرفتُ عليه ومعه حنظلة... حينها قال لي شخصٌ ما بأن حنظلة هو ابن ناجي العلي، وأنه مات في فلسطين... اكتشفتُ فيما بعد أن هذا ليس صحيحاً، واكشتفتُ بعد ذلك أنه صحيحٌ جداً. حنظلة هو بالفعل ابن ناجي العلي، من لحمه ودمه، يحمل فرحه وحزنه، يحمل اسمه، جيناته، معاناته، هويته المفقودة، إنه ابن ناجي العلي، ولا يستطيع أحدٌ نفي ذلك بأي فحصٍ للدي إن أي! وهو أيضاً طفلٌ صغير مات في فلسطين، هو ناجي الصغير الذي مات في فلسطين حين أُرغم على مغادرتها، ذلك الطفل الذي لم يعرف ما هي سعادة الانتماء، ذلك الطفل الذي قرر أن يموت في فلسطين، لكي يحيا رجلٌ، بطلٌ اسمه ناجي العلي، لتكون ريشته هي النيران التي وُلد منها حنظلة كالعنقاء عبر رماد المنفى...

الطفل الذي تشرد مع ناجي في المنفى، ولكنه بقيَّ، ويبقى، في صميم فلسطين...

القول بأنني تعرفتُ على ناجي – بهذا الوصف: (تعرفت) – ينتقص من علاقتي بهذا الرجل... لا أعرف ماذا أستطيع أن أقول... ناجي العلي بالنسبة لي هو أحد الشخصيات التاريخية النقية، الطاهرة تماماً، الذي لا أجد له في قلبي شيئاً سوى الحب والإعجاب. لقد بحث الرجل بألمٍ شديد عن الحق، وحين وجده وقف عنده موقفاً تحسده على ثباته الجبال! في سنة 1982 إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان كان المبعوث الأمريكي فيليب جيب يقوم بـــ(جولات مكوكية) في المنطقة، وكان ناجي العلي يرد على جولاته المكوكية العقيمة برسومات مكوكية يُصوِّره فيها بشكلٍ بشع! وفي لقاء للمبعوث الأمريكي مع بعض الصحفيين قال لهم: "أقنعوا ناجي العلي أن يرسمني بشكل ألطف.. فأنا لستُ قبيحاً لهذه الدرجة!" فرد عليه أحد الحاضرين: "أسهل عليك إخراج إسرائيل من لبنان من إقناع ناجي بتغيير رأيه فيك!" إنه هذا الثبات الذي أكسب ناجي العلي أعداءً كثيرين، لم يكونوا يستطيعون شراءه، أو مفاوضته، أو رشوته بالمزاح، وهو هذا الثبات نفسه الذي قلب الكثير من الأصدقاء إلى أعداء... وهو هذا الثبات نفسه الذي جعل ناجي العلي هدفاً واضحاً لكل أولئك الأعداء... لقد كان ناجي العلي مكشوفاً أمام الجميع، ولكنهم استخدموا كاتم الصوت لكي لا يكشفوا أنفسهم... نفس كاتم الصوت الذي يُغتال به الضمير إلى اليوم... هل تعلمون ما هو كاتم الصوت هذا؟ إنه صمتنا نحن...


لا داعي للبحث عن البصمات، فنحن سلاح الجريمة، وصمتنا هو الرصاص...

ناجي لم يرحل، هذا شيءٌ أكيد، أتيقن منه كلما شاهدت رسومات ناجي ووجدتُ حنظلة ما يزال واقفاً، المشهد لم يتغير، والمعاناة لم تتغير، ونفس الجراح مازالت تنزف، ونفس الشخير مازال يبقبق عن عمر بن الخطاب وصلاح الدين وحطين... وحنظلة ما يزال واقفاً ينتظر... ولذلك اليوم ذكرى الاغتيال... ذكرى إطلاق الرصاص على الجبل الشاهق الذي هو ناجي العلي... ولكنه ليس ذكرى موت ناجي العلي، ليس ذكرى رحيل ناجي العلي... إنه ذكرى الأمل... نعم، الأمل الذي كان يغمس ناجي ريشته فيه، ويخلطه بالدماء والدموع، ويرسم به نداء المستقبل... إنه الأمل الذي رفض بسببه ناجي العلي أن يُخدر الناس برسم أمور مثل علامة النصر الوهمية، إنه الأمل الذي بسببه رسم ناجي العلي حمامة السلام بلا رأفة وبلا شفقة، إنه الأمل نفسه الذي يُمثِّله الطفل حنظلة، الطفل الذي لن يكبُر ويصبح رجلاً إلا حين يتغير كل شيء، الطفل الذي لن يُدير لنا ظهره إلا: "عندما تصبح الكرامة العربية غير مهددة، ويسترد الإنسان العربي شعوره بحريته وإنسانيته ومع ذلك يبقى التعب الأكبر وهو مواصلة المشوار بكل ما فيه من تناقضات وهموم، ويبقى في الأعمالق تعب الوطن، ذلك الوطن الذي يبشر به حنظلة بكثيرٍ من الأمل." اليوم هو ذكرى ذلك الأمل الذي كان ناجي يُوقع به الدعوات لمعارضه دوماً بعبارة: "الرجاء اصطحاب الأطفال"، إنه هذا الأمل القوي، الطاهر، هو الذي نتذكره اليوم... لنُتابع المسيرة...

اليوم ذكرى الأمل، ذكرى الاستمرار... فلسطين بلادنا...

اليوم ذكرى الأمل، وليس ذكرى الموت؛ فالموت كان مجرد خطوة أخرى في مسيرة ناجي العلي، خطوة أخيرة توقف بعدها ناجي حين تيقن من أن حنظلة قد تعلم المشي، وأنه، بأيديه خلف ظهره، وبظهره المـُدار لصمتنا، وبوجهه المـُحدق في الواقع، يُكمل المسيرة... اليوم هو تاريخٌ نتذكر فيه أن رسالة الشاهد والشهيد ناجي العلي يحملها لنا الشاهد الأسطورة حنظلة، فهو: "شاهد العصر الذي لا يموت.. الشاهد الذي دخل الحياة عنوةً، ولن يغادرها أبداً.. إنه الشاهد الأسطورة، وهذه الشخصية غير قابلة للموت، وُلدت لتحيا وتحدت لتستمر."

فدعونا اليوم نحاول أن نلحق بحنظلة... دعونا نمد له أيدينا لنستلم منه تلك الرسالة... دعونا اليوم نحتفل بذكرى ناجي العلي بمتابعة النضال... بمتابعة التحدي... بمتابعة المسيرة... فناجي العلي لم يمُت، ولكنه فقط وقف ينتظرنا لنستمر معه في التحدي...


"هذا المخلوق الذي ابتدعته، لن ينتهي من بعدي بالتأكيد، وربما لا أبالغ إذا قلت أنني قد أستمر به بعد موتي."


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق