الأربعاء، 9 يوليو 2014

رحيل سلوى بوقعيقيص: ثلاث رسائل.


إلى سلوى،

ورحلتِ يا سلوى... رحلتِ ومازالت طريقنا طويلةٌ جداً، طويلةٌ جداً...

يؤلمني رحيلكِ كثيراً، ولكنني لا أستطيع منع نفسي من تقبُّل هذا الرحيل، لا أستطيع أن أستغرب خاتمة هذا الفصل من حياتك؛ فمنذ اليوم الأول يا سلوى، منذ اليوم الأول ومن قبله أيضاً، خرجتِ تتحدين الموت، منذ البداية استبدلتِ حياةً آمنة بحياةٍ شجاعة، منذ البداية خرجتِ للتضحية فكانت وقفاتكِ، تصريحاتكِ، مجهوداتكِ، كانت حياتكِ كلها تضحيةً تنتظر تلك اللحظة التي تُختتم فيها مسيرتكِ وتبدأ فيها ذكراك، تلك اللحظة التي تتوقفين فيها عن المسير، ولكن لا تتوقفين فيها عن النضال... ولكن.. هذا واقع كل مسيرة، أليس كذلك؟

هذا قضاءُ الله وقدره في القادة والأبطال والمعلمين: لابُدَّ من أن يحين أوان ترجُّلِهم، لابد من تلك اللحظة التي يتوقف فيها القادة الأبطال مثلكِ يا سلوى عن المسير؛ لينتصبوا على جوانب الطريق مناراتٍ تُنير ظلمة المسير، مناراتٍ من دمٍ تنادي نحو أفق الخلود: "من هنا الطريق". فهنيئاً لبنغازي بكِ يا سلوى منارةً جديدةً تنتصب فيها، نحفر لبقية الناس قبوراً، ونرفعك من دونهم منارةً... وهنيئاً لكِ يا سلوى بختام هذا الفصل من حياتكِ وبدء فصلٍ جديد؛ فالأبطال الشهداء مثلكِ يا سلوى لا تنتهي حياتهم ولا ينتهي نضالهم... هنيئاً لكِ يا سلوى، ورحمك الله، وعظَّم الله أجرنا فيكِ... عظَّم الله أجرنا...

*  *  *


إلى أولاد سلوى،

أريد أن أسألكم: كيف حالكم؟ ولكن الله وحده يعلم بحالكم وقد فارقتم أمكم، ليبيا وطنٌ فارقته ابنةٌ شجاعة، وأنتم أولادٌ فارقهم وطن... أريد أن أقول لكم: أرجو أن تكونوا بخير... ولكن، هذا يكاد يكون مستحيلاً... على الأقل الآن، هذا يكاد يكون مستحيلاً... أريد أيضاً أن أقول لكم: أرجو أن تكونوا أقوياء... وهذا ليس مستحيلاً، ليس مستحيلاً وأمكم هي سلوى، ليس مستحيلاً وأمكم منحت القوة للبلاد كلها، فكيف لا تكونون أقوياء؟

لا يوجد ما يمكن أن يُقال يا شباب... هل من تعزية وهل من مواساة في مواجهة مثل هذا الفراق المؤلم؟ لا أظن ذلك... ولكن، مع الحزن هنالك قوة، مع هذا الفراق هنالك وعد، هنالك ذكرى تمنع مثل هذا الفراق من أن يكون فقداً، رحيلاً وحسب، ولكن ليس فقداً، ليس فقداً على الإطلاق... والأهم من كل هذا أن مع هذا الفراق، وقبله، الفخر لكم، كل الفخر... لقد كانت حياة أمكم فخراً لكم ولنا وللعالم كله، وكذلك رحيلها المؤلم هذا فخر، شهادتها هذه فخرٌ أقوى من كل الحزن... وبالرغم من كل هذا الحزن، بالرغم من كل هذه الفوضى الدامية في بلادنا وفي مشاعرنا، فأنا على يقين بأن أمكم سوف تعيش في ذاكرة العالم كله، وليس فقط في ذاكرة ليبيا وبنغازي، وسوف تعيش أكثر في حياتكم أنتم، أمكم سوف تعيش بشجاعتها وقوتها وبذكراها وبفخركم بها، سوف تعيش أكثر بكثير مما كان يتصور المجرمون الذين ظنوا أنهم يستطيعون قتل الأبطال... أمكم حية...

لا توجد تعزية ولا مواساة حقيقية... ولكن، نقول عظَّم الله أجركم على فراقكم، وألهمكم الصبر على حزنكم، وأمدكم القوة للفخر بحياة أمكم المستمرة... ولا أنسى أيضاً أن أرجو لكم كل الأمل وكل الصبر على غياب والدكم عصام، وأن أسأل الله أن يعيده لكم سالماً معافى، ليُعينكم هو أيضاً في إكمال مسيرة والدتكم الراحلة...

*  *  *

إلى الشعب الليبي،

لن أعزيك أيها الشعب الليبي في رحيل سلوى رحمها الله...

في غمرة كل الحيرة المختلطة بالحزن في هذه الفاجعة، وفي وسط كل الشائعات والتخمينات والروايات المتضاربة، لم أكن أسأل عن خرقةٍ خضراء، أو عن لحية، أو عن علم الفيدرالية، أو عن أي دليلٍ آخر سوى دليل: ليبي... أنا على قناعة، أيها الشعب الليبي السيد، بأنك أنت المسؤول أولاً وأخيراً عن جريمة قتل سلوى بوقعيقيص، أنت المسؤول...

العالم يُكرِّم سلوى بالجوائز والتشريفات الدولية على مجهوداتها في الثورة وفي سبيل بناء ليبيا، وأنت، أيها الشعب الليبي الطيب بفطرته، أنت تُكرِّمها بمحاربتها، بانتقادها، بتجاهلها، وتختم كل ذلك باقتحام منزلها وقتلها... العالم كله يرثي سلوى ويُقدِّم التعازي فيها ويؤازر أهلها، وأنت أيها الشعب الليبي العظيم، من قبل أن تترحم على روحها الطاهرة، تبدأ فوراً في استغلال موتها سياسياً، من قبل أن تقرأ الفاتحة على جثمانها تبدأ في تلطيخ الخصوم بدمها... العالم كله يعترف بحقيقة سلوى بوقعيقيص ونضالها وتضحياتها، وأنت أيها الشعب الليبي المُبهر لا تهمك حقيقة سلوى بقدر ما يهمك الكذب الذي تستطيع اختلاقه بسبب موتها...

هذا ليس شيئاً غريباً في هذه البلاد التي يعيش شعبها على الحقد أكثر مما يعيش على الخبز... يحقد على الناس ويُجحف بحقهم إلى أن يُمسوا شهداءً، ثم لا يتوقف عن الحقد هنيهة ويستغل مقتل الأبطال لمحاربة خصومه... ونلف وندور في حلقةٍ من الحقد، بينما يتصعد الشهداء نحو جنات الخلد، ولا أستطيع منع نفسي من التساؤل: هل يصابون بخيبة أمل فينا؟

أعلم بأن كثيرون منك أيها الشعب السيد هم ضحايا، ولكنني أكاد أجزم بأن غالبيتك العظمى هم مجرمون... لا يستحقون أن يعمل أحدٌ من أجلهم لآخر ساعات عمره، ولا يستحقون أن يستشهد أحدٌ في سبيل مستقبلهم، ولا يستحقون أي قصةٍ بطولية مثل قصة سلوى رحمها الله ومن سبقوها، ومن سيلحقونها للأسف...

إنها نفس الجريمة، أيها الشعب الأصيل، نفس الجريمة ترتكبها مرةً تلو الأخرى... تهاجم الناس الشرفاء، تسبهم، تشتمهم، تبذل كل جهدك في تقويض عملهم، وحين تُدرك بأن كل هذا لن يُوقفهم عن العمل في سبيل ليبيا، تقتلهم وتمشي في جنازتهم، تبكي عليهم، ترفع صورهم، تتحدث عن الأزلام والتكفيريين والعصابات، تطالب بالتحقيقات، فماذا دهاك أيها الشعب العظيم؟! ألهذه الدرجة ذاكرتك مهترئة؟! أم أن المشكلة ليست في ذاكرتك، ولكن المشكلة هي في خطيئتك، المشكلة هي في جريمتك، وأنت اليوم تريد إزالة الشبهات عن نفسك بالمشي في جنازات ضحاياك؟! أم لعل المشكلة ليست فيك وفي ذاكرتك أنت، بل المشكلة هي في كل من لا ينتبه لك، في كل من يُصرُّ على العمل من أجلك، من يمشي معك في الجنازات وهو لا يدرك بأنك ستقتله وتمشي في جنازته غداً...

هذا حالك أيها الشعب الذي لا يمكنني أن أصفه فعلاً بما أريد وصفه به... هذا حالك...

ولأنك أنت، أيها الشعب الليبي العظيم، أنت القاتل والمتباكي والقاضي وأنت الجريمة كلها، فلن أُعزيك... ولتحل لعنة الله على كل مسؤولٍ عن هذه الجريمة، فلتحل لعنة الله على كل من يشارك في الجرائم بارتكابها، بتشجيعها، بتبريريها، باستغلالها، فلتحل لعنة الله على كل مسؤولٍ عن هذه الجرائم التي تُرتكب في حق الوطن...

*  *  *


ليبيا المستقبل: 6 يوليو 2014

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق