الاثنين، 19 مايو 2014

معركة بنغازي... أرجو أن نتذكر...

كالعادة، وفي مثل هذه المقالات، يجب على المرء أولاً أن ينفي أي انتماء إيديولوجي أو سياسي أو جهوي أو قبلي أو بزقلالي؟! وبناءً على ذلك فأنا – وأعوذ بالله من كلمة (معهم!) – لا أنتمي لأي حزب، ولستُ إسلامياً، ولا علمانياً، ولا حتى ليبرالياً أو وسطياً، ولا أُشجِّع الثوار ولا أُشجع الجيش، ولستُ مع أنصار الشريعة ولا مع خليفة حفتر، وأظن حتى بأنني لست ليبياً، وربما أيضاً لستُ كائناً بشرياً، ولا حتى من الثديات!

هل تمنحني هذه المقدمة أي مصداقية؟! لا أظن ذلك، ولا حاجة لذلك، فأنا لا أريد الترشح لشيء هنا، أريد فقط أن أقول شيئاً ما، لو اتضح أنه خطأ، فنحن نعرف منذ البداية بأنه ليست لديَّ مصداقية! ولو اتضح أنه صواب، فستكون قيمة ما أقوله من صوابه، وليس من مصداقيتي (المعدومة ربما...).

كأي بنغازينو آخر فاجأتني أحداث يوم الجمعة بفرحةٍ غامضة. هل هذه بداية نهاية المتطرفين؟! هل ستتخلص بنغازي أخيراً من بعض مشاكلها؟! هل ستتوقف الاغتيالات والتفجيرات والذبح والحرق والخطف والتعذيب؟! هل سينتهي عهد الرعب في بنغازي؟! الكثير من الآمال رافقت بداية (عملية الكرامة) كما يُسميها اللواء (المتقاعد؟) خليفة حفتر ومن يؤيده – وهي تسمية أعترض عليها جداً، فكرامة الليبيين ليست مفقودة، وإن انتهكت، فلا أظن بأن حفتر هو من سيعيدها! وعلى أي حال، وبغض النظر عن موضوع (الكرامة) تابعنا بداية الأحداث بترقب... وسرعان ما بدأت الأمور تتشوش... هنالك طائرات؟ حسناً، عملية كُبرى! قوات حفتر يؤيدها الجضران والفيدراليين؟ معقول؟ الجضران؟! الحكومة تعارض حفتر؟ بل تطالب الثوار بمواجهته؟! حفتر لا يُمثل الجيش؟! القوات العسكرية المؤيدة له تخالف أوامر رئاسة الأركان؟ قاعدة بنينا تسانده ولكن الصاعقة وغرفة بنغازي الأمنية لم يتحركوا؟! انقلاب؟! خروج عن الشرعية؟! الحكومة تائهة تماماً؟! رئيس الأركان يؤذن في مالطا؟! ما الذي يحدث بالضبط؟!!!

لقد اتضح بأن الأمر ليس أبيضاً وأسوداً كما تصورنا...


الحراك ليس حراك جيش وطني حقيقي، بل هو حراك فرد، أو تقنياً: ضابطٌ مارق تمكن من استقطاب بعض القوات العسكرية. بالطبع، لا يمكننا أبداً لوم أي قوة عسكرية تنضم لمثل هذا الحراك، فالحكومة العاجزة والمُخترقة لم تمنح الفرصة للجيش لإثبات نفسه، ومثلاً قاعدة بنينا الجوية لا ألومهم إطلاقاً على مبادرتهم بالانتقام ممن استهدفوا ضباطهم بالاغتيال، أو – بعبارات أكثر موضوعية – لا ألومهم إطلاقاً على التحرك ضد الجهات المشتبه بها في جرائم قتل ضباط السلاح الجوي. وضع رجال الجيش لم يعد يسمح لهم بالالتزام بشلل الحكومة، و(كبودهم دم) على المتطرفين الذين يُكفِّرونهم ويُعلنون عليهم الجهاد جهاراً نهاراً! ومع ذلك، مهما التمسنا من أعذار (واقعية) لتحرك قوات عسكرية، فأنا بصراحة لا أجد أي عذر لأن تتحرك هذه القوات باسم خليفة حفتر!

أنا لا أظن أبداً بأن خليفة حفتر يريد إنقاذ بنغازي من المتطرفين. المتطرفون قلبوا بنغازي جحيماً، وأصبحنا نحن البناغزة نكاد نكره المدينة بعد أن كان معروفاً بأنه لا يوجد من يحب مدينته أكثر من البنغازينو. ولكنني بكل صراحة، وبكل وقاحة أيضاً في الاتهام والتخمين، سأقول بأنني لا أثق أبداً في نية خليفة حفتر، ولا أظن بأن الرجل – إن تمكن من القضاء على المتطرفين – سوف يُعلِّق بذلته العسكرية ويتقاعد في مزرعةٍ ما ويمضي بقية أيامه يسقي الزهور ويُربِّي القطط! أنا شخصياً أميل لتصديق الضباط القدامى الذين ينتقدون حفتر (بعضهم يقول بأنه مثل القذافي أو أسوأ!)، ولا أستطيع تجاهل الاتهامات الموجهة له بالكثير من الإخفاقات والجرائم، وأتفقُ أيضاً مع من يقولون بأن حفتر ليست لديه قوة كافية للقضاء على المتطرفين، وهذه العملية مجرد فتل للعضلات: الرجل يريد فقط أن يصبح جزءاً من المعادلة، يريد أن يتحدث الناس عن (التفاوض معه) كما يتحدثون عن أنصار الشريعة و17 فبراير والجضران، و(الاستعانة به) كما يتحدثون عن ونيس بوخمادة وزياد بلعم... خليفة حفتر يريد أن يُثبت حضوره وحسب، ولا أظن أبداً بأن لديه أهدافٌ وطنية (أو بنغازية)، ولكن لديه فقط أهدافٌ شخصية... ما هي؟ لا أعلم، فكما لفت انتباهي أحد أصدقائي الأعزاء: فوضى البلاد لن تسمح لأحد بالسيطرة عليها، والرجل متقدمٌ في السن لدرجة لا تسمح له بأحلام الطغيان... فماذا يريد حفتر بالضبط؟ لستُ أدري، كل ما أعرف هو أنه بلا شك لا يريد مصلحة بنغازي!

ولكن هذا رأيِّ الشخصي... وأنا مثلي مثل أي بنغازينو آخر أعرف تماماً أن الخيارات أمامنا قليلةٌ للغاية... أعرف أن السيل قد بلغ الزبى، وهو سيلٌ من الدم والدموع... وأعرف بأننا وصلنا مرحلة اليأس التي تدفع بالناس لأن يقولوا: (نحن مستعدون لنرضى بتدخل الإسرائيليين في سبيل القضاء على المتطرفين)... أعرف بأن الحكومة في غيبوبة، وإذا تحركت فهي فقط تتقلب ذات الشمال وذات اليمين دون يقظةٍ حقيقية! وأعرف أن من تبقوا من الأبطال الحقيقين إما لا يريدون التورط في الفتن، أو لا يستطيعون التدخل بشكل غير سليم... أعرف كل هذا... ولذلك أعرف بأن معارضة تصرفات خليفة حفتر قد تبدو غير منطقية للبعض؛ لذلك سأحتفظ بمعارضتي له لنفسي. وسأصمت أمام قاعدة (بعض الشر أهون من بعض)... ولكن، هذا الشر الأهون الذي يفرضه علينا الواقع يفرض علي أن أقول شيئاً واحداً...

فلنفترض جدلاً بأن خليفة حفتر استطاع القضاء على المتطرفين... إذا حدث هذا، فأرجو فقط ألا نجعل من خليفة حفتر المهدي المنتظر، وأن لا نُنزِّهه عن الخطأ، ونَدَّعي له عصمة الأنبياء! أعني أرجو أن لا نتعامل معه كما يتعامل البعض مع مَن حاربوا في الجبهة، فيقولون بأن (بطولاتهم) تشفع لهم مدى الحياة! وبأن إنجازاتهم في الجبهة كفيلة بمحو أي انتهاكات! أرجو أن لا نتعامل مع خليفة حفتر هكذا، وأن لا نجعل من قضائه على المتطرفين (إن حدث ذلك) أن لا نجعل منه صك غفران يشفع له مستقبلاً مهما فعل... أرجو أن لا نُقدِّس خليفة حفتر إن نجح، كما يُقدَّس بعض الثوار الذين انحرفوا عن المسار، أرجو أن نحكم عليه هو أيضاً بكل تصرفاته، الماضية والحاضرة والقادمة...

إن حدث وحقق خليفة حفتر ما يَعِد به الناس وقام بتأمين بنغازي، فأرجو أن نتذكر دائماً بأن العبرة، في أي معركة تدور في بنغازي، هي (مصلحة بنغازي) وليست العبرة أبداً في أي شخص أو أي جهة... وأرجو أن نتذكر أنه كما أصبح بعض أبطال الثورة أشرارها، فليس من المستحيل أن ينقلب من يريد إنقاذ بنغازي اليوم إلى من يقتلها غداً...


ليبيا المستقبل: 19 مايو 2014.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق