الجمعة، 3 يناير 2014

المسؤولية الوطنية.


لعل الواجب الآن هو التعامل مع هذا الموضوع بطريقةٍ علمية، فنبدأ أولاً بتعريف الوطن، فنقول بأن الوطن هو مثلثٌ متساوي الساقين... كلا، أعني أن الوطن هو حاصل ضرب الكتلة في سرعة الضوء المُربَّعة... أقصد بأن الوطن هو كائن خرافي له عينٌ واحدة، يحترقٌ ذاتياً، ونقطة ضعفه هي كاحله... لا أعلم بالتحديد ما هو الوطن، القاموس يقول بأن الوطن هو محل الإنسان، ولا أعلم هل هو محلٌ للمواد الغذائية أم الخضروات، ولكن تفسير القاموس لأوطان الغنم على أنها مراعيها قد يُقرِّبنا من الإجابة، فلعله محلٌ لبيع العلفة، وعلى أي حال فإن الموطن بمعنى مشهد من مشاهد الحرب قد يكون أقرب معنىً لتعريف الوطن بالنسبة لمواطنٍ ليبي، فيكون الوطن: محلاً لبيع العلفة لأغنامٍ تعيشُ حرباً!

وبالتالي فإن الوطنية تعني بكل بساطة الاهتمام بمسائل الوطن وعلفته وقطعان أغنامه وحروبه. هذا الاهتمام هو التعريف الذي نحتاجه للمسؤولية: أن تكترث، وأن لا تُصاب بالملل من متابعة الأخبار، ألا تقرأ فقط عنوان الخبر، ثم تفتح مقالةً ما وتقرأ فقط بضعة تعليقات، وتغلق كل شيءٍ في النهاية لمشاهدة فيديو مُضحك.. أن تناقش المواضيع الساخنة وآخر الأحداث، لا أن تُغيِّر موضوع الحديث إلى كرة القدم بالرغم من أنك لا تتابعها، أو تسأل فجأةً عن سعر كيلو الطماطم وكيس الإسمنت، أو سعر كيلو طماطم في كيس إسمنت، أو سعر شرمولة إسمنت بالطماطم.. المسؤولية الوطنية تعريفها، أو ربما أول خطوة فيها: الاهتمام.

وأنا بصراحة أعاني من مشكلة كبيرة فيما يتعلق بالمسؤولية الوطنية...


سأبدأ بواقعي: أولاً، لديَّ كل الوقت لمتابعة الأخبار، سواءً أكان ذلك بمشاهدة المحطات التلفزيونية، أو بتصفح المواقع الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي. ثانياً، أعرف الكثير من الأشخاص الذين لهم نشاطات ثقافية والذين يتابعون الشأن العام بشكل دقيق، والذين يمكن عبرهم الحصول على الأخبار مع رشة من وجهات نظرهم الشخصية. ثالثاً، أعرف بعض الأشخاص المنخرطين في المجتمع المدني والعمل السياسي، الذين يمكنهم توفير بعض الأخبار (الداخلية) إن جاز لنا التعبير. هذه الأمور الثلاثة تتوفر لدى أغلب المواطنين الليبيين، وهي ليست شيئاً عجيباً أو مميزاً، سبب ذكري لها هو فقط لتوضيح أنني لا أعاني من ظروف طارئة تمنعني من الحصول على الأخبار ومعرفة آخر التطورات. وكل ما في الأمر أن هنالك كلمة إنجليزية لم أجد لها ترجمةً جيدة، الكلمة هي unapologetic والتي ربما أقرب ترجمة لها هي خلط كلمتي الصراحة والوقاحة، وأقرب ترجمة حرفية لهذه الكلمة قد تكون: بلا اعتذار. وموقفي حالياً، بلا اعتذار، هو أنني أعيشُ في عالمٍ منغلقٍ تماماً، بعيداً عن أي أخبار أو تطورات أو أحداث أو رسائل أو فيسبوك أو تويتر أو أي شيء آخر... فهل أنا مرتاحٌ في عزلة القوقعة التي أعيش فيها؟ هذا سؤالٌ لا فائدة منه، فارتياحي من عدمه لا تأثير له على أي شيء، وهذا ما أحاول خنق ضميري به، فمهما كنت أظن بأنه نائم، فهو للأسف يستيقظ بين الحين والآخر...

المؤتمر الوطني يُمدِّد فترة عمله، والتسجيل لانتخابات الدستور يكاد ينتهي أو ربما انتهى (ومن يهتم أصلاً؟)، والاغتيالات مستمرةٌ بشكلٍ مُمل (وقمة المأساة حين تصبح المأساة مُثيرةٌ للملل...)، والنفط لا أعلم بالضبط ماذا يحدث فيه، وحادثة تفجير بوابة برسس وتأجيل الاحتفال بعيد الاستقلال (أظن أنه يجب تأجيل أي شيء اسمه احتفال لمدة 50 سنة على الأقل...)، وزيدان؟ والضجران؟ وعودة جبريل؟ والأحزاب الهادئة؟ والنيويروك تايمز وتقريرها الطويل؟ وأشياءٌ كثيرةٌ أخرى... كلها أسمع عنها، أو أقرأ عنها بعد ركود الخبر... والمشكلة أنني أجد ضميري يقول لي: (عيب عليك يا راجل! معقولة مش معدل عالبلاد بكل؟!) وأُحس بمسؤوليةٍ وطنيةٍ من نوعٍ ما، أحس بأنني يجب أن أكتب عن بنغازي بدلاً من الكتابة عن مواضيع أخرى أثارت اهتمامي لوهلة قصيرة، أحس بأنني يجب أن أقرأ كل يوم مائة خبر، وألف مقالة وتعليق، وأن أشاهد 18 ساعة من البرامج والمقابلات السياسية، وأن أسأل الجميع عن آخر التطورات وعن آرائهم... أحس بتأنيب الضمير لأنني أتجاهل هذه المسؤولية الوطنية وأكتب عن السنة الجديدة أو الجمعة 13 أو أي شيءٍ تافهٍ آخر... بل حتى الأشياء التي قد تُعتبر مهمة، أحس بأنني يجب أن أكتب قبلها الكثير عن ليبيا وعن بنغازي... ولكنني لا أفعل، وضميري يتبرَّم مني بشكلٍ مفاجئ بعد أن كنتُ أتصور أنه اعتاد مثلي على التغافل عن كل شيء... ولكن القانون لا يحمي المغفلين، وهذا يضمن أيضاً قوانين الطبيعة التي تقول بأن المرء مهما ابتعد عن وطنه روحياً أو حتى جسدياً فإنه سيبقى ابن ذلك الوطن... وأنا من بنغازي، وكل الليبيين يعرفون أنه لا يوجد في ليبيا من يحبون مدينتهم أكثر من أبناء وبنات بنغازي، فيكون الارتباط بالوطن مضاعفاً بالنسبة لبنغازينو مثلي... ويكون قانون الانتماء الطبيعي أشد عقاباً لي ولروحي...

ولكنني، وهذه المرة بكل صراحة طيبة النية، لا أعرف ما جدوى الاهتمام؟!

لماذا أهتم إن كان اهتمامي سيساعد في رفع ضغطي وحسب؟ لماذا أهتم إن كان ذلك سيقودني للاختلاف مع الآخرين دون سبب حقيقي ولكن نتيجةً للتنظير والتلفسف السياسي؟ لماذا أهتم إن كان موقفي مما يحدث هو موقفٌ مشلولٌ تماماً؟ هل أتظاهر بالاهتمام وأكنس الشوارع أو أجمع القمامة أو أقوم بأي عمل تطوعي آخر لا يُقدِّم ولا يؤخر لأن قمامة ليبيا الحقيقية ليست في شوارعها ولكن في قلوب مواطنيها؟! لا أعلم بالضبط ما أريد أن أقوله، ولكنني تذكرتُ الآن عباس بن فرناس وعظامه المسكورة، الرجل لم يقفز بجنون مرةً تلو الأخرى لكي يسقط على الأرض، ولكنه قفز مرةً تلو الأخرى لأنه كان يظن بأنه قد يتمكن من الطيران، كان لديه أمل، ولكن أنا اليوم ليس لديَّ أمل، ولن أجازف بالقفز في فضاء الاهتمام وأنا أعلم بأنه ليس لدي بارشوت ولا أجنحة، ولديَّ فقط جاذبية الواقع التي سوف تضمن لي رحلةً سعيدة إلى قاع اليأس! مع تمنياتنا لكم بالشفاء العاجل! نعم، هذا تشاؤمٌ يقف على عتبة اليأس المطلق، ولكن هذا كل ما أستطيع التوصل إليه بمعطيات الظروف الحالية - في الوقت الراهن لا يوجد أي شيء يُبشِّر خيراً، يوجد فقط ما يقول لي: (كل اهتمامك السابق، وكل تفاؤلك في بداية الثورة، كل ذلك كان بلا فائدة...)... لقد أعطتني الثورة شيكاً بلا رصيد من الأمل...

بالعودة إلى بداية هذه الهلوسة، فإن المسؤولية تعني واجباً يلزم القيام به لتحقيق نتيجةٍ ما، تمتلك في العادة أهميةً من نوعٍ ما. فما النتيجة التي يمكن أن يُحقِّقها شخصٌ مثلي اليوم؟ لا توجد أي نتيجة إيجابية على الإطلاق... النتيجة الوحيدة ستكون سلبية، بمعناها السيء وبمعناها العاطل: سيئة من حيث أنها ستكون نتائجاً متشائمة ويائسة إلى حد الجنون، وعاطلة بمعنى أنها ستكون علامة تحذيرٌ حمراء تنبه إلى أن الطريق مسدود (ولو كانت علامة الطريق المسدود زرقاء في الأغلب...).

ربما هذه النتيجة ستكون نتيجةً جيدة! الآن تراودني أفكارٌ شريرة للانتقام! أن أنفث سموم التشاؤم واليأس دون أي اعتبار لمن يمكن أن يتسمم بها ويُصاب بالشلل!

إنها فكرةٌ جهنميةٌ إلى حدٍّ ما...

ربما... ربما... المسؤولية الوطنية تعني الاهتمام بشأن الوطن كما هو، وليس كما يجب أن يكون... أنا لستُ خبيراً في شيء، ولستُ كاتب خيالٍ علمي، بل لستُ حتى كاتباً، وإنما فقط مشاهد، وكل ما علي فعله هو مشاهدة ما يحدث والتعليق عليه، دون الحاجة لتقديم حلول أو للحلم بمستقبلٍ وردي...

ربما أكون فقط أتحايل على نفسي للاهتمام بأوضاع البلاد والكتابة عنها بأي وسيلة، ولو كان ذلك بطريقةٍ انتقامية! (لا أعلم انتقاميةٌ مماذا، فأنا الوحيد الذي خدعتُ نفسي بالأمل والتفاؤل! قد لا يكون هذا انتقاماً بقدر ما هو انتحارٌ بالتشاؤم!)


هذا كل ما في جعبتي الآن بخصوص هذا الموضوع... ربما في وقتٍ لاحق قد أكتب عنه بجديةٍ أكثر... ولكن للآن، كل ما توصلت إليه هو أن المسؤولية الوطنية اليوم تعني التشاؤم... الشيء الوحيد الذي ربما لديَّ خبرةٌ فيه!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق