الجمعة، 13 سبتمبر 2013

تعليق على مقالة القذافي ليس الشيطان.


الفطرة، الطبيعة الإنسانية، والخير والشر...


محمد الغزالي والفطرة.

منذ فترةٍ قصيرة قرأتُ كلاماً قيماً للشيخ محمد الغزالي رحمه الله يُناقش فيه فكرة (الفطرة)، وقد تساءل عن معيار الفطرة الإنسانية الطبيعية، وخلص إلى أن الفطرة السليمة هي المعيار الوحيد، وأن أي أمراض نفسية وخُلقية لا تعتبر من الفطرة الطبيعية – الانحراف والانفلات ليس فطرة. وبعيداً عن المجادلات العقلية – المنطلقة من أساس ديني – التي ساقها لتأييد فكرته، فقد استدل بشيء آخر أثار اهتمامي كثيراً. هي ملاحظة كثيراً ما نمر عليها نحن المسلمون لكننا لا نُدرك أعماقها.

الشيخ محمد الغزالي رحمه الله كان كثير القراءة لكتب العلوم والآداب الإنسانية كالفلسفة وعلم النفس والاجتماع، والعلوم التطبيقية كالفلك والفيزياء وغيرها – وهو ما يبدو واضحاً في ثقافته الواسعة وكتاباته الغنية. وقد سبق أن وضَّح أن هذا الشغف كان إيماني الهدف؛ فالمؤمن يجب أن يبحث عن قدرة الله ويسعى لفهمها في كل مكان وفي كل مجال. ومن هذا المنطلق فإنه لا يبدو غريباً أن نجد أن قراءات الشيخ الغزالي للفكر الغربي – التي كانت بهدفٍ إيماني – قد كانت نتيجتها أن الشيخ الغزالي قد ربط التوافق بين أقوال بعض من المفكرين والفلاسفة الغربيين وبين تعاليم الإسلام مع فكرة الفطرة السليمة والطبيعة الإنسانية.

هذا الربط الذي قام به الشيخ الغزالي يُبرز لنا الفكرة التي ذكرتُ سابقاً أننا كثيراً ما نمر عليها ولكننا نغفل عنها. فنحن كثيراً ما نمر على أقوال لمفكرين غربيين ونتفاجأ بأنها مماثلة لما جاء به ديننا الحنيف (أذكر مرةً أنني تحدثت مع جدي العزيز حفظه الله عن الكاتب الروسي الشهير ليو تولستوي رحمه الله (وهي دعوة أقولها بثقة وبتقدير حقيقي...) وأخبرته أنني صُدمت ببعض ما كتبه هذا الرجل مما يمكن تصنيفه على أنه فكرٌ إسلامي!!! فقال لي جدي: (فيه خُلق الإسلام...) في إشارةٍ إلى ما ورد في الأثر عن أن الرسول عليه الصلاة والسلام وصف حاتم الطائي – مضرب الأمثال في الكرم – بأن فيه خُلق من أخلاق ديننا الحنيف.) كثيراً ما نمر على أقوال مفكريين غير مسلمين موافقة لتعاليم الإسلام، وربما استدل البعض بذلك على أن الإسلام هو الدين الحق، ولكن ما نغفل عنه في الأغلب هو أن هذا فيه توكيد لمبدأ إسلامي آخر، وتوضيح لفكرة مهمة، فإن قلنا بأن الإسلام دين الفطرة، وأسلمنا بأن الفطرة الإنسانية الطبيعية هنا هي الفطرة السليمة الخالية من الانحرافات، فإن موافقة بعض الأفكار (غير الإسلامية) لهذه الفطرة هي دليل على أن الفطرة الإنسانية الطبيعية هي بالفعل الفطرة السليمة، وهذا ما يجادل به الشيخ الغزالي عن طريق الاستشهاد بأقوال مفكرين غير مسلمين تؤكد بأن العقول البشرية كثيراً ما تميل إلى إقرار حقيقة أن الطبيعة الإنسانية أصلها هو الخير – الفطرة السليمة هي الأصل.


خطأ، وتغيير التفكير...

فكرتُ في هذا الأمر كثيراً... وعدتُ لمراجعة الكثير من الأفكار التي كنت حائراً بخصوصها، أفكار من قبيل فكرة (الطبيعة الإنسانية)، والتي كثيراً ما يستخدمها البعض كعذر للانحرافات الأخلاقية أو الاستغراقات الشهوانية. لم أكن مقتنعاً بــكـــــــــل هذه المجادلات طبعاً، ولكنني كنت حائراً بخصوص بعضها التي لم تكن متطرفةً إلى حد الانفلات ولكنها كانت تُوفر تفسيراً لبعض الانحرافات البشرية – تكشف بعضاً مما يختبئ في ظلمات النفس الإنسانية بالقول بأنها أمور طبيعية. ولذلك كنتُ قد وصلتُ سابقاً إلى أن الطبيعة البشرية هي طبيعة مزدوجة، تقبل الخير والشر، ولهذا أنزل الله لنا الرسل والديانات، ولهذا رأت المجتمعات ضرورة وجود سلطات وقوانين؛ لأن الإنسان فيه خير وشر ويحتاج للإرشاد. وهذه الفكرة كانت السند الذي كتبتُ به مقالة (القذافي ليس الشيطان). ولكنني الآن، بعد قراءة كلام الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، وبعد عودتي للحيرة، وجدتُ نفسي أكتشف فضيحةً فلسفيةً، ولغويةً أيضاً، في تلك المقالة.

المقالة، وبعيداً عن ارتباطها بالواقع الليبي، حاولتُ فيها إيضاح أن كــــــــل البشر فيهم خير وشر، وأن الإطاحة بهذا الشخص أم ذاك لن تُنهي كل مشاكلنا؛ فنحن في النهاية، بطبيعتنا، يمكننا أن نكون مثل كل الطغاة الذين تُسقطهم الثورات، فلدينا (القابلية) للخير والشر. وهنا كان الخطأ الفاضح...

الخطأ كان في تعاملي مع كلمة (القابلية)؛ فتفسيري لها كان بعيداً جداً عن حقيقتها؛ فالقابلية لا تعني (الجوهر)، لا تعني الطبيعة، فكما أشار الشيخ محمد الغزالي فالإنسان لديه القابلية للإصابة بالأمراض، ولكن هذا لا يعني أن طبيعته العادية (السليمة) هي المرض، وإنما هي الصحة، ولا يمكننا بأي حالٍ من الأحوال أن نصف إنساناً مريضاً بأنه (سليم)! بلا شك قد نقول أنه من الطبيعي أن يُصاب الإنسان بالأمراض، ولكن العبرة هنا هي في (الظروف) التي أدت إلى الإصابة بهذه الأمراض – الظروف (الخارجية) فيها خير وشر، أما الطبيعة البشرية (الداخلية) فيها فقط الخير، ولكنها ليست مُحصَّنةً بشكلٍ مُطلق ضد الإصابة بأمراض الشر، ومن هنا تأتي القابلية؛ فهي ليست الطبيعة، ولكنها استثناء على الطبيعة.

وبالتالي فإن التفسير الخاطئ لقابلية الطبيعة البشرية للخير والشر نتج عنه فهمي المغلوط لأن الطبيعة البشرية فيها خير وشر، وأن الديانات والرسائل السماوية جاءت لضرورة إرشاد الناس للخير وإنقاذهم من الشر. هذه الوظيفة الدينية صحيحة طبعاً، ولكن هنالك فرق كبير بين أن تقول أن الدين جاء لإرشاد الناس إلى الخير وإنقاذهم من الشر الذي في داخلهم، وبين أن نقول أن الدين جاء لتثبيت الناس على الخير الذي في داخلهم وإبعادهم عن الشر الذي هو خارجهم. المعنى غير واضح، أدرك ذلك، ولكن ما أعنيه هو أن قول العلماء بأن الإسلام هو دين الفطرة هو فقط إقرار لحقيقة فطرتنا البشرية؛ فالإسلام لم يأتِ بطبيعة بشرية (جديدة)، ولكنه جاء ليُعيد الناس إلى طبيعتهم البشرية (الأصلية)، والتي هي طبيعة الخير – ومن هنا تأتي كل التعبيرات عن أن الإنسان يُفسَد وينحرف، لأن طبيعته البشرية السليمة والمستقيمة هي الخير.

بالطبع هنالك آراء في الفكر الإسلامي تقول بازدواجية الطبيعة البشرية بين الخير والشر، مما استوجب الهداية من الله تعالى، وهنالك آراء تقول بأن طبيعة الإنسان هي الشر ولذلك يعتبر التزام الخير جهاداً ضد هذه الطبيعة الشريرة. ولكل رأي أدلة تؤديه، قوية أحياناً، وضعيفة أحياناً أخرى. ولكن الغالبية (ممن وجهة نظري وفهمي الشخصي، المنقوص بلا شك) الغالبية ترى أن الطبيعة البشرية مفطورةٌ على الخير؛ فالهداية لا تصنع طريقاً جديداً وإنما تُسلِّط الضوء على الطريق الصحيح الذي يجب اتباعه – تكشف الطريق المستقيم والأسبق في الوجود من باقي الطرق المنحرفة والملتوية. فالشهوات والرغبات والانحرافات الشهوانية مثلاً التي يتوجب على الإنسان جهادها هي تطرف في جانب من جوانب الجسد، فالإسلام قد اعترف بالحقوق التي يفرضها الجسد، وبالتالي فإن هذا التطرف في حقوق الجسد يصل إلى مرحلة الانتهاكات، ولو كان طبيعياً لما كان مذوماً لهذه الدرجة. وبصفة عامة فإن الفلسفات الإسلامية ركزَّت غالباً على طاعة الله سبحانه وتعالى والتزام التقوى، ولذلك كانت دراسات الطبيعة الإنسانية تتمحور حول تقسيم الإنسان إلى عقل وقلب وروح مثلاً، أو إلى روح وجسد، أو إلى حقوق وحاجات وشهوات، أو تقسيمات النفس... وهي كلها أمور حين يَطَّلع المرء على تناول الفكر الإسلامي لها فسوف يرى أن هنالك دائماً مرساةٌ للخير وسط هذه التقسيمات: دائماً هنالك فطرةٌ خيِّرة تكون المرجع الأساسي لكل التعاليم، والحصن والملاذ ضد كل الانحرافات. وهذه الفطرة السليمة، هذه المرساة، هي الإسلام، أو لنقل شريعة الله سبحانه وتعالى منذ بداية الخلق إلى اختتام النبوة برسالة الإسلام.

دلائل من القرآن؟

حين فكرتُ قليلاً في هذا الأمر، بعدما ذكر الشيخ الغزالي حول موافقة الفكر الغربي النبيل والسليم لتعاليم الإسلام كدليل على أن الإسلام هو دين الفطرة، تبادرت إلى ذهني آيات القرآن التي يصف فيها الله سبحانه وتعالى رفض البعض لرسالة الإسلام... وأحسستُ بأن الكثير من الآيات تؤيد هذه الفكرة، فكرة أن الطبيعة الإنسانية هي الخير، الفطرة الأصلية هي الفطرة السليمة.

((أولئك الذين طبعَ اللهُ على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون)) [النحل: 108]

((ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون)) [المنافقون: 3]

((أفلا يتدبرون القرآنَ أم على قلوبٍ أقفالها)) [محمد: 24]

طبع على قلوبهم... على قلوبٍ أقفالها... إشارات إلى أن الإيمان مصدره القلب، ليس فقط (مصبه)، ولكن أيضاً (منبعه)، فالمسألة هنا تبدو وكأنها مسألة (موافقة) الفطرة الداخلية للخير أكثر مما هي مسألة (قبول) الفطرة للخير. ولزيادة توضيح هذا الأمر نجد آياتٍ أخرى تُوضح أن الإيمان داخلي أكثر مما هو خارجي

((أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون)) [الجاثية: 23]

((ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون)) [الأعراف: 179]

((ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون)) [الأحقاف: 25]

((ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون * إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون)) [الأنفال: 21-22]

((أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)) [الحج: 46]

من جديد تُذكر القلوب والأفئدة... ولكن في هذه الآيات نجد تركيزاً أيضاً على السمع والبصر والتفكير والتعقل وربطها بالقلب... فالسمع والبصر هو طريقة استقبال المعلومات، والعقل والتفكير هو ترجمة هذه المعلومات، وفي النهاية تستقر في القلب الذي يُدرك بأن هذا هو الإيمان: هذه هي الفطرة! وهذا التسلسل مهمٌ جداً في فكرة أن الإسلام هو دين الفطرة، من حيث أن الأمر بسهولة الإبصار والسمع – شيء (طبيعي) – ومن لا يُدرك هذه الحقيقة فهو لا يختلف عن الأبكم والأصم، بل إنه لا يختلف عن الدواب التي قد تسمع وتُبصر ولكنها لا تُترجم هذه المعلومات لإدراك يتوافق مع القلب والفطرة الطبيعية/السليمة.

وهنا خلاصة كل هذا الكلام الطويل... الطبيعة البشرية الحقيقية هي: الخير.

فإن كان الإسلام هو دين الفطرة، فإن الفطرة البشرية إذاً هي فطرة الخير؛ فكل من لديه فهم بسيط للإسلام، بعيداً عن محاولات التشويه والمحاربة له من غير المسلمين، وبعيداً أيضاً عن محاولات التشويه الداخلية له من المتطرفين والجاهلين، كل من يفهم مبادئ الإسلام، كل من يُدرك مقاصد التشريع وغاياته، كل من يتوقف قليلاً مع قوله تعالى: ((وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين)) [الأنبياء: 107] سيُدرك تماماً أن الإسلام دين رحمة، دين أخلاق، دين خير... فإن كان الإسلام هو دين الفطرة، فلا بد أن تكون فطرة البشرية هي الخير. وكل ما يعتري الإنسان من شر هي فقط انحرافات، أمراض، ولذلك نجد الشرائع السماوية، والبشرية أيضاً، قد تناولت علاج هذه الأمراض وتحصين البشرية ضدها، وفي حالاتٍ أخرى تناولت عقاب بعض الانتهاكات وزجرها وكأنها تعالج أمراضاً بالكي والبتر، لأن هذه الأمراض، وإن كانت لدينا نحن البشر قابليةٌ لها، إلا أنها تبقى خروجٌ عن الطبيعة...

وبالطبع فإن خلاصة هذه الخلاصة هي أنني كنتُ مخطئاً فيما ذكرته في مقالة (القذافي ليس الشيطان)، وأن الإنسان طبيعته الحقيقية هي الخير، والشر هو انحرافٌ عن هذه الطبيعة (وقد أكون مخطئاً حتى الآن، ولكن طالما بقيَّ الإنسان حياً فله الحق والحرية في تغيير تفكيره!). وبالتالي فإن جان جاك روسو الذي وصفته بأنه مخطئ بكل بساطة (ووقاحة!) كان مصيباً أكثر مني ولو لم أتفق معه تماماً في بقية تفاصيل فكرته. ناهيك عن أن فكرة المقالة كلها تُصبح أكثر إثارةً للرُعب حين ندرك أن طبيعة الإنسان هي الخير، ولكنه، للأسف، يستطيع الانحراف عنها ببُعدٍ رهيب...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق