الثلاثاء، 12 مارس 2013

مشكلة الحديث عن العزل السياسي...


مع الأحداث الأخيرة، والصراع المحتدم بين من يقولون بأن ليبيا تتجه إلى الهاوية، وبين من يُصِرون بأنها تُحلِّق عالياً في الفضاء، بالإضافة طبعاً إلى من شرعوا في البحث عن سكن أو عن مشاريع مقاولات في الهاوية (من يقولون بأننا نفترشُ الهاوية منذ زمنٍ بعيد!) كل هذه الصراعات جعلت من موضوع العزل السياسي نجم الهدرزة الأول في هذه الأيام.

الجميع أصبحوا يوضحون ويشرحون ويتساءلون ويُبدعون في تأييد العزل السياسي أو معارضته. ولقد ذكرَّني الأمر بالمناظرات الساخنة حول الفيدرالية، حيث كان الخصوم يستشهدون بوقائعٍ تاريخية، ويتحدثون عن هذه البلاد وتلك، وأصبح نصف الشعب خبراءً في فوائد الفيدرالية الاقتصادية ومشاكلها الإدارية ومخاطرها الجهوية... اليوم كذلك أصبح نصف الشعب الآخر خبيراً في فوائد العزل السياسي الإدارية ومشاكله الاقتصادية ومخاطره الاجتماعية... ولكنني بصراحة لا يهمني أي شيء من هذه التفاصيل، ولا أكترث هل من يريدون العزل هم الإخوان السياسيون (أو المنافقون)، أم تحالف القوى الحزبية (أو المصلحجية)، أم ثوريون جُدد، أم ثوريون قدامى... كل ما يهمني الآن هو محاولة تفادي سقوط باقي الناس على رأسي وأنا أجلس في الهاوية أكتب هذه المقالة...


الطرفان يتحدثان عن عالمٍ يوتوبي (نسبةً إلى يوتوبيا، وليس إلى اليوتيوب!)، فمن يؤيدون العزل، يتحدثون عن العدالة والقصاص، وعن ضرورة إخلاء الساحة ممن أضاع ماضي ليبيا بالأمس ويُهدد مستقبلها اليوم، ولذلك يتصور المؤيدون أنه بمجرد إقامة حد العزل على كل من ارتكاب معصية دعم النظام السابق، فإن هذا سوف يقطع أيدي الظلم وأرجل الفساد، وسوف يعيش الشعب كله في جنات النعيم. ومن يُعارضون العزل، يتحدثون عن القضاء والقانون، وعن ضرورة عدم ظلم كل الناس بقانونٍ لن يُميز بين الأخضر واليابس، أو لنقل بين النظيف والقذر؛ لئلا نفهم اللون الأخضر بطريقةٍ خاطئة! وهكذا يتصور المُعارِضون بأن البلاد يقف أمام بابها القانون بسيوفٍ دستورية، ويتجول في شوارعها حُراس القضاء بمصابيحٍ من عدالة، وأنه لن يُظلم أحدٌ فوق تراب هذه الأرض التي أصبحنا نشكُ اليوم في طهارتها، مع التماس العذر لها إن كان ما حدث اغتصاباً... نسأل الله العافية...

هذا ما يدور في مقاهي المحللين السياسيين، ومواقع الخبراء الاستراتيجيين، وفيسبوك فلاسفة القرن الواحد والعشرين. وهو حديثٌ كما أشرتُ سابقاً يوتوبيٌّ إلى أقصى مدى؛ وهذه مشكلةٌ مُحيرة؛ فالجميع يتحدثون كما لو كانت بلادنا هي جمهورية أفلاطون الفاضلة التي يحكمها الفلاسفة (مشكلتنا أن فلاسفتنا مشغولون في المقاهي!)، ويتوهمون أن العدالة تُوزع مجاناً عند إشارات المرور، وأن الفساد خرافةٌ ترويها عجائز بلادنا اللواتي لم يفهمن هذه الثورة العظيمة تماماً كما لا يفهمن أجهزة الكمبيوتر العظيمة، وأن القانون والقضاء في بلادنا كالنفط والغاز: من كثرتهما يجب علينا أن نتصدق على العالم بتصديرهما له. ولكن هذا كله جدالٌ فكري، حتى وإن كان بعيداً عن الواقع فلا ضرر منه، بل فوائده كثيرة. المشكلة الأكبر هي أن هذه الحوارات (الفكرية) التي تدور بين الشعب بعيدةٌ كل البُعد عن الحوارات (السياسية) التي تدور بين المسؤولين.

في الساحة السياسية لا يتحدث أحد عن العزل بمفهومٍ تاريخي أو قانوني أو فلسفي أو حتى زمياطي، ولكنهم يتحدثون بمفهومٍ سياسيٍّ محض. فبينما نجد أن الناس يتطرقون لأمورٍ تفصيلية مثل القانون والقضاء، وضرورة تحقيق العدالة وعدم ظلم من لم يتلطخوا بالفساد والدم، بالإضافة إلى عدم تجاهل التداعيات الاجتماعية للأمر، فإننا نجد السياسيين يتحدثون عن أصوات الناخبين وأموال الداعمين... أقصد يتحدثون عن المجرمين الذين عملوا مع النظام ودمروا البلاد وسرقوا ثرواتها وسفكوا دم أولادها، أو يتحدثون عن ظروف البلاد التي فرضت على الجميع البحث عن لقمة العيش والسعي نحو الإصلاح وليس كل الشعب قتلةً ولصوصاً وكلنا شركاءٌ في الوطن... ما أعنيه هو أن السياسيون يتحدثون بمفاهيمٍ واسعةٍ جداً دون أي تفصيلات؛ فهم يريدون فقط جمع أكبر عدد ممكن من التأييد الشعبي، فإما يعزفون على وتر ثورة الحرية والكرامة ودماء الشهداء، أو يعزفون على وتر الإقصاء والشعب يريد كل الخبرات وقد تحررنا وحررنا الوطن... ليبيا، ليبيا، ليبيا... وهذا ما يُقامر عليه السياسيون وحسب: ليبيا. وسواءً أكان شعارهم العزل أو القضاء أو دماء الشهداء أو الجرحى أو الفيدرالية أو الدستور، فإن حالهم يصفه قول طه حسين عن السياسية بأن: (المبدأ وسيلة لا غاية...).

ولذلك أجدني أستغربُ كثيراً... مع هذا البُعد الشاسع بين حديث الشعب، وبين حديث السياسيين، وبين واقع البلاد، كيف يمكن لنا أن نتحدث عن العزل والقانون والقضاء وكأننا نعيش في سويسرا؟! أو كيف يمكن لنا أن ندعم سياسيين مخادعين وكأنهم يُقدمون مشاريعاً وطنية لا شخصية؟!

سياسيون يقولون بأن ليبيا تتجه إلى الهاوية، وغيرهم يُنسب إليهم قولهم فلتذهب ليبيا إلى الهاوية، والشعب يتحدث عن السماء السابعة وعن كواكب القانون والقضاء ومجرات الأمن والاستقرار... والبلاد أين هي؟!!!

قد يتسلل سؤالٌ مُحرجٌ من بين سطور هذه المقالة، ويقفز نحوي ليضربني كفاً متفائلاً ويعاتبني قائلاً: فأين الحل؟! لماذا لم تُقدم حلاً؟! لماذا فقط تشاؤمٌ ونقد؟! وبالطبع ليس لديَّ ردٌّ أقوله سوى أن التشاؤم هو الأكلة الشعبية في الهاوية، والنقد هو ثالث أكثر الهوايات رواجاً بعد التعامي والنوم، وأنا بصراحة متشائمٌ ومتخاذلٌ ومتكاسل؛ ولذلك فإنني راضٍ بالتثاؤب حين أرى حلولاً تُطرح لمشكلة لم نصل إليها بعد، فنحن نحتاج حلولاً لمشاكل أكبر وأخطر قبل أن نتفرغ لإيجاد حلول لمشاكلٍ وهمية – يجب أن يكون لدينا قانون وقضاء وعدالة وديمقراطية قبل أن تكون لدينا مشاكل قانون وقضاء وعدالة وديمقراطية!

والآن يجب أن أعتذر، فبعض السياسيين الذين يتمسكون بحافة الهاوية سقطت من جيوبهم بعض المصالح، ويجب أن أستغل انشغال الفلاسفة الفلكيين برصد مسارات النجوم؛ لأذهب وأحاول التقاط مصلحة أو مصلحتين...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق