الثلاثاء، 12 فبراير 2013

علي بن الجهم والغربة: الضحك في جنازة هذا الغريب...


كثيراً ما تنتشر بعض قصص الشعراء بيننا عامة الناس، فنجد أنفسنا – كأكبر نقاد الأدب! – نعرف قصصاً عن الأمر بهجر الخمر عند امرئ القيس، وحب عنترة العذري وأيضاً حبه المنفلت مع السيف، وجولات الملاكمة بين جرير والفرزدق، والمجون الأعمى لبشار، وقصص أبي نواس التي تقطر خمراً، وفنون أبي تمام في النحت، والسم الحارق لابن الرومي، وعرش المتنبي على مملكة الشعر... وغيرهم الكثير ممن نجد لهم قصصاً طريفة ومُبهرة نتداولها في جلساتنا، والتي تنتشر اليوم كالنار في الهشيم على الإنترنت.

وإن كان هذا الأمر محمودٌ لما فيه من جرعات ثقافية (ولو كنت أشك في أن الإنترنت يترك أي أثرٍ دائم...) إلا أنه في أحيانٍ كثيرة تنتشر (شائعات) وحسب، قصص لا أساس لها من الصحة، وهذا أمرٌ طبيعي، فهذه القصص لا تنتشر بين متخصصين في الأدب والنقد، وإنما تنتشر بيننا نحن المتخصصين في الضحك والثرثرة.

من بين هذه القصص، قصة عن الشاعر العباسي علي بن الجهم، تقول أنه كان بدوياً خشناً، وأنه غادر البادية وذهب إلى عاصمة المدنية والتحضر بغداد. وهناك دخل على الخليفة المتوكل، وبلا شك بعد تحية بدوية جزلة ألقى عليه قصيدة مدحٍ بدأها بقوله:

أنت كالكلب في حفاظك للود *** وكالتيس في قِراع الخطوب
أنت كالدلو،  لا عدمناك دلواً *** من كبار الدلا كثير الذنوب

وطبعاً كان من الحتمي أن يختلط الأمر على جلساء الخليفة! فظنوا أن هذا الشاعر يسبه ويشتمه، وحين وقفوا لإسكات الشاعر – وربما حتى ضربه تملقاً للخليفة! – منعهم الخليفة من ذلك. وفي بادرة تدل على حكمته ونظرته الثاقبة أمر الخليفة بأن يُمنح الشاعر بيتاً على شاطئ نهر دجلة، وأن يوفر له كل ما لذ وطاب من هناء العيش (القصة تذكر فقط الطعام، ولا أعلم لماذا لم تُذكر الجواري!). وعاش الشاعر في المدينة ينعم بأطايب الثمر (والبشر!)، ثم عاد إلى الخليفة، وهذه المرة ألقى عليه قصيدةً منظومةً من العسل والمسك، بعد قصيدته السابقة المعجونة من الطين والحصى! وكان مطلع القصيدة (الحضرية) هو أحد أشهر بيوت الغزل في اللغة العربية:

عيون المها بين الرصافة والجسرِ *** جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

وهنا قال الخليفة المتوكل: (لقد خشيت عليه أن يذوب رقةً ولطافة!) وضحك الخليفة، وضحك جلساؤه، وضحك الشاعر، وضحكت بغداد كلها، وضحك الروم، وضحك الفرس... ومازلنا إلى اليوم نضحك على هذه القصة الرائعة التي سردت كيف قام الخليفة المتوكل بترويض البدوي الغليظ علي بن الجهم وجعله حضرياً رقيقاً يذيب بشعره الصخور!!! لقد قام الخليفة بحذاقة بفك عقد هذا الشاعر، وحوَّله من سلكٍ بدويٍّ شائك إلى خيطٍ حضريٍّ من الحرير!

ولكن... هذه القصة غير صحيحة إطلاقاً...

ما يضايقني في القصة ليس عدم صحتها... ومع ذلك لا ضرر من سرد بعض الأدلة على عدم صحتها...

نبدأ من البديهيات...

فنقول أولاً أن علي بن الجهم مولودٌ أصلاً في بغداد! هذه المعلومة وحدها كفيلة بأن تُفند القصة كلها!!! ومع ذلك نتابع...

في بعض الكتب نجد إشارةً للغة ابن الجهم القوية والجزلة في شعره، والتي قد يستدل بها البعض على (بدويته). الحقيقة هي أن علي بن الجهم، كما أشرنا، كان حضري المولد والمنشأ، ولكنه كان من قبيلة تفتخر بنسبها العربي، وفي خضم العنصرية السائدة في ذلك الوقت، فليس من الغريب أن تتمسك القبائل العربية بلغتها ولهجتها القوية وسط المدن الكبيرة التي اختلط فيها العرب والعجم. وبالطبع علي بن الجهم كان شاعراً، واللغة القوية الجزلة كانت لغةً مُفضلةً في صياغة الشعر عند الخلفاء؛ ففي ذلك الزمان كان الخلفاء يمارسون النقد الأدبي! فكانوا يطربون لبداية قصائد المدح ببعض الغزل الرقيق، ثم كانوا يستمتعون بفك طلاسم اللغة العربية البدوية حين يبدأ الشاعر في سرد تفاصيل رحلته إلى الخليفة، ثم يرتاحون لانسيابية المدح المنكب عليهم. فالسبب في لغة ابن الجهم لم يكن أنه بدوي، وإنما كان أنه عربي فخورٌ بنسبه، وأنه كان شاعراً يريد إثبات نفسه.

ثم نجد أن القصة تُروى وكأن هذا أول خليفة يلتقيه خليفة بن الجهم. من جديد: الرجل مولودٌ في بغداد، عاصمة الخلافة في العصر العباسي. وكان شاعراً في وقت كان الشعر يُكسب صاحبه أكثر من الطبيب أو المهندس أو المحامي! وهذا الكسب كان يأتي عن طريق الخلفاء والأمراء والقضاة والقادة... فكيف بشاعرٍ مبدع في عاصمة الدولة العباسية ألا يلتقي أي خليفة؟!!! الحقيقة أن علي بن الجهم عاصر المأمون، والمعتصم، والواثق، وأخيراً المتوكل المذكور في القصة. وقد تواصل علي بن الجهم مع كل هؤلاء الخلفاء بطريقةٍ أو بأخرى، فالمأمون وصل إليه شعره وأُعجب به، والمعتصم كان الشاعر قد مدحه وتحصل على وظيفة ومنصبٍ من وراء هذا المدح، والواثق لم يتواصل معه مباشرةً ولكن كان بين الشاعر وبين أحد وزرائه خصام أنتج بضعة قصائد هجاء. وبصفة عامة، ولأسباب سياسية (أو فلسفية تافهة)، لم يكن علي بن الجهم قد تواصل كثيراً مع أولئك الخلفاء بسبب فتنة خلق القرآن التي كانت مدعومةً من الدولة حينها، والتي كان علي بن الجهم معارضاً لها. ولكن حين جاء المتوكل، الذي أنهى قصة خلق القرآن وأعادها إلى مكانها الطبيعي بين دفات كتب الفلسفات وفي البصاق المتناثر بين المتجادلين، حينها تمكن علي بن الجهم من التواصل بحرية وبراحة مع الخليفة. فأصبح صديقاً مُقرباً للخليفة المتوكل، مقرباً لدرجة أن بعض الشعراء الآخرين كادوا له الدسائس وأثاروا غضب الخليفة عليه فسجنه وأمر بتعذيبه، وفي النهاية أطلقه. فحتى هذه العلاقة لم تكن علاقة خليفة حكيم بشاعر خشنٍ، وإنما كانت علاقة شاعرٍ حكيم بخليفةٍ يفتقر للصحبة، وانتهت الصداقة نهايةً بشعة.

وفي سياق الأدلة على عدم صحة القصة، لا ضرر هنا من التطرق لبعض التفاصيل (الفنية)...

بدايةً، مصدر هذه القصة كتاب تاريخي واحد فقط، فلم تظهر في أي من الكتب الأدبية الشهيرة في العصر العباسي، أو التي تلته مباشرةً، وإنما الراوي الوحيد لها كان كاتباً عاش بعد الشاعر بحوالي 300 سنة، ولم يذكر سنداً للقصة ولم يذكر من رواها له، وإنما فقط اكتفى بقول أنها منقولة عن بعض الأدباء. طبعاً هذا في سياق الحديث عن (المصادر التاريخية)، أما (المراجع الحديثة) فقد تلقفت هذه القصة ونشرتها دون أي تمحيص أو تدقيق لدرجة مثيرة للخجل بصراحة.

ثم إن أسلوب الشعر غريب... وهو ما يؤكد أن هذه طُرفة مُختلقة أقصى ما تصل إليه هو أنها تضايق الحقيقة من بعيد دون أن تخطو بجوارها. فمن يقرأ شعراً قديماً، لن يقع على مثل هذا المدح العجيب: أنت كالكلب! أنت كالتيس! أنت كالدلو!!! شعراء الجاهلية، أهل البداوة واللغة الجزلة القوية، كانوا يُشبِّهون الممدوحين بالكواكب والنجوم والشمس، والكائنات النبيلة كالأسود والغزلان... وهذه المبالغة في تسفيه المدح لهذه الدرجة هي دليلٌ قاطع على أنها مجرد نكتة – نكتة يجب أن يكون التهريج فيها خياليا ومبالغاً فيه، لكي يبدأ الضحك فوراً!

القصة إذاً هي ليست من سيرة الشاعر علي بن الجهم، وإنما هي مجرد نكتة لها نفس مؤلف كل تلك النكت الكاذبة عن قراقوش، أو بعض النكت السخيفة عن جحا، كل ما في الأمر أن في ذلك الزمان لم تكن لديهم نكت محششين!

وهنا ستنتهي السخرية في كلامي؛ فكما أشرتُ سابقاً ما يُضايقني في القصة ليس عدم صحتها... بصراحة لا تهمني الصحة التاريخية أو الأدبية للقصة، ولكن ما يُحزنني هو عدم صحتها (عاطفياً)...

القصة حين تُروى، تبث إحساساً، أو تصوراً، بأن هذا الشاعر قد ارتاح بعد رحيله عن موطنه، أي بعد مغادرته للبادية الجافة الخشنة، أصبح وضعه أرق حالاً وألين جانباً في المدينة المتحضرة، وربما بفضل هذه الهجرة للبادية القاسية أصبح شاعراً أفضل في أحضان المدينة الرقيقة. لا أعلم كيف أُعبر عن ذلك، ولكن القصة تعطي انطباعاً بأن الشاعر فرِح بالغربة، وبأن أوضاعه أفضل، وبأنه لولا مغادرة الوطن، ولولا الغربة، لبقيَّ كل حياته يمدح الناس بأنهم كلاب وحمير وتيوس... وهذا ما لا أستطيع قبوله... خاصةً في حالة علي بن الجهم... الرجل الذي حتى طلب المعاش كرهه لأنه أبعده عن وطنه...

طـلبُ المعاشِ مُـفـرِّقٌ *** بين الأحـبَةِ  والـوَطَـنْ
ومُصيِّرٌ جَـلـدَ الجـليـ *** ـدِ إلى الضراعةِ والوَهَنْ
حـتى يُـقادُ  كـما يُـقا *** دُ النِّـضْو في ثني الرَّسَنْ
ثُـمَّ الـمنِيـةُ بـعـد ذا *** فكأنَّـهُ مـا لـم يَـكُـنْ

اليوم الناس قد يقولون بأن الحياة أصبحت كالسجن، أو كأنها حكم مؤبد بالأشغال الشاقة: ولادة، دراسة في مدارس وجامعات تُشبه المصانع، ثم عمل في مكاتب ومبانٍ تشبه السجون، ثم الموت والانتقال إلى مقابر جماعية لعبثية الحياة التي يضحك علينا الناس بالقول بأن المعنى فيها هو في الشهادة، في الوظيفة، في الحساب المصرفي... اليوم عقيدة الرفض لمبادئ المجتمع حول الحياة المُحددة من التعب والموت أصبحت منتشرة بشكل طبيعي... علي بن الجهم كان يقول ذلك منذ ما يقارب ألف سنة... طلب المعاش يُبعدك عن الوطن، ويُذلك ويجعلك ضعيفاً، تقودك الدنيا كما تقاد الدابة النحيفة بالحبل... ثم الموت بعد ذلك، فكأنه، فكأنك، فكأننا، لم نكن أبداً...

ثم يأتي البعض، وينشرون قصةً عن كيف أنقذت الغربة علي بن الجهم!!! كيف يُعقل أن تُحرف أحاسيس هذا الشاعر لهذه الدرجة؟!!! كيف يمكن أن تروى القصة وكأن للغربة فضلٌ عليه؟!!! الغربة التي جعلت حياته كلها مقبرة... الغربة التي بعد أن عاد منها، لم يجد أهلاً ولا أصحاباً ولا أحباباً إلا في المقبرة... وبكى على وطنه الذي دُفن أيضاً في هذه المقبرة بعد أن غادر كل من كان فيه...

يشتاقُ كلُّ غريبِ عند غُـربتهِ *** ويذكرُ الأهلَ والجيرانَ والوطنا
ولـيس لي وطنٌ أمسيتُ أذكرهُ *** إلا المقابرَ إذ صارت لهم وطنا

لقد كان علي بن الجهم يعاني من الاغتراب، كان ينزف شوقاً وحنيناً كلما ابتعدت به الحياة عن موطنه، وعن أحبابه... ونأتي نحن اليوم ونتندر بقصة تجعل الغربة تبدو وكأنها أنقذت علي بن الجهم...

لقد طاردته الغربة إلى آخر أيام حياته... وفي النهاية قتلته... قتلته غريباً... قتلته بالاغتراب...

كان في بعض مناطق الشام، وبالرغم من اختلاف المصادر حول بعض التفاصيل، فإن ما يهمنا هو أنه كان قد خرج يقاتل الروم... منصبه، سبب خروجه للقتال، سبب المعركة، كله ليس مهماً... المهم أنه كان غريباً... وفي القتال طُعن علي بن الجهم... فحملوه بعيداً عن ساحة القتال، وكان ينزف... وحين أحس بأن الناس لم يعودوا يحملونه، وإنما الموت هو الذي أمسى يحمله، قال علي بن الجهم:

أزيـدَ فـي الليلِ ليلٌ *** أم سالَ بالصبُحِ سيلُ
ذكـرتُ أهـلَ دُجيلٍ *** وأيـنَ مـني  دُجيلُ

ومن جديد أكاد أصرخُ من الغضب... ها هو علي بن الجهم، في لحظاته الأخيرة، يبكي على نهر دجلة... يبكي على مدينته، وموطنه، وأهله... وبعض الناس يتجرأون على الادعاء بأن نهر دجلة عرفه علي بن الجهم بفضل طرافة الخليفة... لقد أظلمت عليه الدنيا، وأحس بأن الليل اتصل بليلٍ لا نهار، أو بأن النهار قد انجرف أو سال عليه سوادٌ أخفاه... وفي ظلمة الموت تلك تذكر علي بن الجهم موطنه... في لحظة الموت المرعبة، تذكر علي بن الجهم أهله، الذين هم الوطن الحقيقي، هم الذين يصنعون الوطن، الأهل والأحباب والأصحاب... لقد كانت أنفاس علي بن الجهم الأخيرة أنفاس شوقٍ وحنين... ومع ذلك، نجد من يضحك على كذبة هجرته...

لقد حاربت الغربة علي بن الجهم، وقتلته بالاغتراب، ومات غريباً... ونحن نضحك على قصةٍ كاذبة تقول أن الغربة أنقذته... ولا نُدرك أن ألم الاغتراب أدمى روح علي بن الجهم حتى بعد مماته... لقد نزف علي بن الجهم شوقاً وحنيناً حتى بعد مماته...

بعد أن مات، من جراحه في تلك المعركة، نزعوا عنه ثيابه، فوجودا رقعةً (ورقة أو صحيفة) مكتوبٌ عليها الدعاء الأخير لهذا الغريب، وصلاته الأبدية في محراب الشوق والحنين:

وارحمتا  للغريبِ في البلدِ النا *** زحِ، مـاذا بـنفسهِ صنـعا
فـارقَ أحبابَهُ فـما انتفعـوا *** بالعيشِ من بعدهِ ولا انتفـعا
كان عزيزاً بقُـربِ  دَارِهِـمُ *** حتى إذا ما تباعدوا خشـعا
يقولُ فـي نأيهِ  وغُـربـته: *** عدلٌ مِن اللهِ كُلُّ ما صنعـا

رحمك الله يا علي بن الجهم... رحمك الله أيها الغريب... رحمك الله...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق