‏إظهار الرسائل ذات التسميات تاريخ. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تاريخ. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 16 سبتمبر 2014

القبض على عمر المختار: لم يستسلم...



بطل إلى النهاية.

 عمر المختار أسيراً في البارجة الحربية الإيطالية التي نقلته من سوسة إلى بنغازي ما بين 11 و12 سبتمبر 1931.

في هذا اليوم، 16 سبتمبر، الذي يوافق ذكرى استشهاد أسد الصحراء سيدي عمر المختار شيخ الشهداء، ولأنني – للأسف – تكاسلت وانشغلت عن تجهيز موضوع أكبر وأفضل تكريماً لذكراه، فقد رأيتُ (في الوقت بدل الضائع!) أن تكون لي مساهمة، ولو كانت بسيطة وغير منظمة وعل عجالة، ولكنني أراها مهمة. تصحيح تاريخي عابر لمعلومة تاريخية مغلوطة قد تكون مشهورةً أكثر من الحقيقة.

هذه المعلومة هي فيما يتعلق بحادثة القبض على عمر المختار رحمه الله. وبداية هذا الحديث لابد أن تبدأ من عند فيلم (أسد الصحراء) الذي تناول جزءاً من سيرة عمر المختار.


فيلم عمر المختار فيلمٌ رائعٌ جداً، لا جدال في ذلك. لقد أبدع المخرج الراحل مصطفى العقاد في إنتاج هذا الفيلم، وجمع له بعض أبرز نجوم هوليود: أنثوني كوين، أوليفر ريد، أيرين باباس، جون جيلجود، رود ستايجر! كل هؤلاء يجتمعون لتمثيل فيلم عن ليبيا! هذا أمر لن يتوقف عن إصابتي بالدهشة! لقد تعرَّف العالم على شعبٍ غائبٍ ومُغيَّب، وتعرف عليه في إحدى أبهى صوره، وهي صورة المقاومة الإنسانية للظلم، تلك التجربة الإنسانية التي تربط بين البشرية كلها، التي طالما اضطرت عبر التاريخ لمواجهة الظلم. وفي هذا الصدد يجب على أي شخص موضوعي أن يعترف بأن فضل خروج هذا الفيلم إلى حيز الوجود يعود إلى معمر القذافي! نعم، نعم، إنها إبرة (حسنة) واحدة دقيقة في كومة قش عظيمة من (السيئات)! ولكنني هنا لستُ بصدد مدح معمر القذافي، وإنما أنا بصدد ذمه! فحتى هذه الفضيلة النادرة قد اختلطت بفضيحة من فضائحه الاستبدادية النرجسية...

الاثنين، 5 مايو 2014

دار الإفتاء: الاستقلالية، والمسؤولية، والرجاء.


ويحمى وطيس الحرب المقدسة التي تدور في رؤوس المتطرفين... تفجيرٌ انتحاريٌّ هنا، وهجومٌ عنيفٌ هناك، وذبحٌ وحرقٌ وتمثيل... ونحن نقف مدهوشين، أفواهنا مفتوحةٌ على مصراعيها، لا نستطيع حتى الصراخ من شدة الصدمة... وأجدني أتساءل في هذا الوقت: هل دار الإفتاء أيضاً تقف مصدومةً مثلنا بفمٍ مفتوح ولا تستطيع الكلام؟!

لقد تحدث بعض (الإسلاميين) عن هذه الجرائم... وكم كانت أحاديث بعضهم مؤلمة، خاصةً لمن يتوقع من أشخاص ينسبون نفسهم للإسلام ألا يكون إخلاصهم إلا للإسلام... كلهم يستنكرون التفجيرات والعنف (بلا شك!) ولكن بعضهم لا ينسون الحديث عن الفساد في الأجهزة الأمنية وتقصيرها في تأمين المدن! وبعضهم يتحدثون عن حقوق الثوار! وبعضهم يلفون ويدورون (ليس تفجيراً انتحارياً...)، (ليس هجوماً انتقامياً...)، ليس، ليس، ليس، وكل شيء بالنسبة لهم (سوء فهم)، حتى الدماء التي تسيل مجرد سوء فهم وقد تكون هذه الدماء مياهاً!!! وبعضهم يصمتون وحسب، وهذا أهون الشرين حسبما أظن... ولكن، هؤلاء (سياسيون) لديهم مصالح وغايات شخصية أو حزبية، ولديهم شعارات ودعايات سياسية، ولديهم وسائل ضغط وتهديد، ففي النهاية تستطيع تبرير مواقفهم العجيبة... ولكن، أين دار الإفتاء من كل هذا؟! لم أرى لها حضوراً قوياً إعلامياً بخصوص هذه المواضيع، باستثناء إعادة نشر بعض مقاطع الفيديو على صفحتها الرسمية على الفيسبوك التي يتحدث فيها فضيلة المفتي عن تحريم القتل والتفجير وعن ضرورة القصاص وعن موقف الناس من قوات الجيش والشرطة. وهي مواقف ممتازة بلا شك، ولكن أين المواقف المواكبة والجديدة؟! وأين الحضور الإعلامي القوي والمهيمن الذي نتوقعه من المرجعية الدينية؟!

لقد دفعني التفكير في هذا الأمر، للتساؤل عن موقف دار الإفتاء مما يحدث، ووظيفتها ومسؤولياتها تجاه الليبيين...

السبت، 22 مارس 2014

صبراً بنغازي... يا روحي يا دمي...


بنغازي رباية الذايح... مثلٌ يعرفه كل الليبيين، وهذا المثل لم يعد مثلاً تاريخياً فقط، بل أثبتت بنغازي أنها بالفعل تحتضن كلَّ مَن لا يجد ملاذاً... ومرت ببنغازي ثورة الشعب المُشردة، اليتيمة، واحتضنتها بنغازي، رَحَّبت بها في شهر فبراير الماضي... وجميعنا نعلم أن التمرد لطالما كان ضيفاً مُرحباً به في بنغازي، والآن جاءت الثورة، وأقسمت عليها بنغازي أن تبقى فيها، أقسمت عليها أن تحميها بدمها وبأرواح أبنائها...

والآن ها هي بنغازي، ها هي ما تزال تستضيفُ الثورة، وتُصرُّ على حمايتها، والقذافي فقد كل ما تبقى له من عقلٍ مُتعفِّن، وتملكه اليأس، نعم، لقد سيطر عليه اليأس، لم يستطع مجابهة أبطال مصراته، وقفز وراء البريقة وإجدابيا خوفاً من أن تنكسر قواته على دفاعاتها، وهو الآن يركض مثل كلبٍ مسعور، لا يرى شيئاً سوى الدم، لا يريد شيئاً سوى الانتقام... إنها قصةٌ قديمةٌ قِدم الدهر: الطاغية المتهاوي، السفاح المجنون الذي فُضحت جرائمه ولم يعد في وسعه فعل شيءٍ سوى توجيه ضربةٍ أخيرة... ضربةٌ أفضل ما يصفها هو كلمة (انتحارية)، ضربةٌ أخيرة يُشبع بها شهوته للدم، ضربةٌ أخيرة يستهلك بها ما بقيَّ من حياته النجسة... القذافي حكم على نفسه بالهلاك منذ بداية ثورة 17 فبراير، حكم على نفسه بالهلاك بعد سقوط أول قطرة دم طاهرة، وأصدر هو بنفسه الحكم بالإعدام على نفسه حين كان يظن أنه يُصدر أوامراً لقمع الثورة... القذافي انتهى... كل ما يفعله الآن بمدفعيته، ودباباته، هو أنه يحفر قبره، يحفره أعمق وأعمق...

وبالرغم من خوفي الشديد على مدينتي الحبيبة وأهلها، وفزعي المُطلق على كل قطرة دماء ليبية مقدسة قد تُسفك، رعبي على بنغازي الذي يصيبني بالشلل، مع كل ذلك يجب أن أحاول رؤية الأمر من كل زواياه، حتى إن كانت غيوم الرعب الحمراء هي كل ما نراه في الأفق، حتى إن كان مستقبلنا سيكون جنازةً أبدية، فيجب علينا الآن دراسة كل جوانب الأمر؛ لعلنا نجد فيها أملاً يُساعدنا على الصبر...

كلنا نعلم ماذا سيحدث إذا سيطر القذافي على بنغازي... كلنا بكينا الدمع والدم على الزاوية الأبية، رأينا القتل الجماعي، الدمار، القصف، تدمير المقابر، كل البشاعات التي لا يمكن لعقلٍ بشريٍّ أن يُحيط بها، تم ارتكابها في كل مكان، منذ بداية الثورة إلى الآن، كل المدن شهدت كوارثاً إنسانية، جرائم حربٍ مُتعمَّدة... ولكن ربما، ربما هنالك أمورٌ أخرى قد تُنقذ بنغازي...

ذكرى باقية وذاكرة ضائعة...


ها هي ذكرى 19-3 تعود من جديد.. السبت الأسود.. سبت العزة.. يوم دخول الرتل.. يوم هزيمة الرتل.. يوم نزوح أهالي بنغازي.. يوم صمود أهالي بنغازي.... يوم بطولات صقور الجو.. يوم بطولات منطقة القوارشة.. يوم التدخل الفرنسي.. يوم هزيمة من هزائم الطاغية..

يومٌ مِن أيام تاريخ بنغازي... مِن أكثر الأيام فخراً لكل أهل بنغازي الذين لا يضاهيهم أحدٌ في حُبِّ مدينتهم...

كم آسف لأنني لستُ كاتباً حقيقياً، ولا شاعراً موهوباً، لأنني لا أستطيع الحديث عن بطولات ذلك اليوم، لا أستطيع فعل أي شيء.. أحاول فقط أن أتذكر، أن أتذكر بعض من سيعيشون على مر التاريخ في ذلك اليوم، بعض من استشهدوا فيه ليعيشوا في تاريخ بنغازي، بعض من اقترنت أسماؤهم بكل معاني البطولة والوطنية...

فخر الدين الصلابي.. المهدي السمين.. محمد العقيلي.. عبدالله المسماري.. محمد نبوس.. راف الله السحاتي.. عامر بوعمود.. معاوية عصمان..

كم آسف على أنني لستُ كاتباً ولا شاعراً، وكم آسف لأنني لا أحفظ أسماء كل من استشهدوا ذلك اليوم، ولا أحفظ تواريخ ميلادهم، ولا أحفظ آخر كلماتهم ووصاياهم، ولا أحفظ ابتساماتهم... وكم آسف أكثر من ذلك لأنني لم أكن موجوداً ذلك اليوم حتى لأهرب.. لم أكن موجوداً لفعل شيء..  وكل ما أستطيع فعله الآن هو محاولة التذكر... فهذا كل ما لديَّ الآن، وهو في الحقيقة كل ما لدينا جميعاً اليوم: محاولة التذكر. الذكرى تعود، وستعود كل سنة... الذكرى باقيةٌ ما بقيَّ لدينا تاريخٌ وسنينٌ وشهورٌ وأيامٌ، فهل الذاكرة باقيةٌ أيضاً؟ أم أن ذاكرتنا الضعيفة تنسى كل شيء، ولا تتذكر من هذا اليوم إلا أنه عطلة؟

لا أعلم... أظن أننا اليوم نفعل ما فعلته أنا الآن، وهو أننا نتذكر (أسماءً) فقط ولا نتذكر (مسميات)، أعني أننا نتذكر اسماً مثل فخر الدين الصلابي أو عبدالله المسماري، ولكننا لا نتذكر فعلاً رجلاً حلَّق في سماء البطولة واستشهد، ولا نتذكر رجلاً ترك كل شيء وحمل سلاحه وركض نحو الشهادة.. نتذكر أسماءهم، ونرفع صورهم، ولكننا لا نتذكر أفعالهم ولماذا فعلوا ما فعلوه... نتذكر تاريخ هذا اليوم، 19-3، ولكننا لا نتذكر فعلاً ذلك اليوم، لا نتذكر الخوف والرعب والقلق، لا نتذكر الشجاعة والإقدام والبطولة، لا نتذكر التضحيات والعزم والصمود، لا نتذكر إلا يوماً نحتفل به أو ننام فيه، وتنتهي القصة، لا نتذكر حقيقة ذلك اليوم، وما عناه من بطولة وتضحية ووحدة، وما يدعونا إليه من توحيد الصف والدفاع عن مدينتنا والتضحية في سبيلها... لا نتذكر هذه المعاني، نتذكر فقط مظاهراً، ولا نتذكر جوهراً...

كل شهيدٍ ليس فقط شخصاً قُتل في سبيل قضية، ولكن كل شهيد هو دعوةٌ للعمل، وصيةٌ بالتضحية، ومنارةٌ للقادمين من بعده... وكل يومٍ في التاريخ ليس مجرد رقم، بل هو درسٌ يجب حفظه وفهمه وتطبيقه...

ولكن أظن أننا نرتاح ونختار الاحتفال وحسب، نحتفل بالشهداء وننسى وصاياهم وحقيقة تضحياتهم، ونحتفل بالدماء الطاهرة وننسى أنها رسمت لنا طريقاً لنعبره، ونحتفل بالتاريخ وننسى أنه موجوداً ليُذكِّرنا وليس لنحتفل به ونتخذه عطلة... نحتفل ونحتفل ونحتفل وليس لدينا في الحقيقة أي حق في الاحتفال، ليس فقط لأن ظروف بلادنا لا تسمح بذلك، والدماء التي مازالت تُغرق مدينتنا لا تسمح لنا بإقامة المهرجانات والمسيرات الاحتفالية، ولكن لأننا لم نكتسب بعد الحق في الاحتفال بأي شيء، فنحن لم نفهم شيئاً، ولم نحفظ وصايا الشهداء، ولم ننتصر على أنفسنا، ولم ننجح في أي امتحان، وإنما فقط اكتفينا بكتابة التاريخ على ورقة الامتحان، وتركناها فارغة، وخرجنا نحتفل...

وتعود الذكرى، وستعود، وستبقى، ونحن سنبقى نعاني من مرضٍ مُزمنٍ في ذاكراتنا، وسنبقى نحتفل إلى أن ننسى لماذا نحتفل... ويا إلهي...


رحمة الله على الشهداء الأبطال... رحمة الله عليهم... ورحمة الله على الثورة التي قتلها النسيان ودفنتها الأنانية في ليلةٍ مظلمة، واستيقظنا نحتفل دون أن ننتبه لشيء... فرحمة الله علينا نحن أيضاً...

الاثنين، 17 فبراير 2014

حياة وموت ثورة...

اسمح لي بأن أروي لكَ قصةً يا عزيزي القارئ... قصة ولادة ثورة ومسيرة حياتها التاريخية... وسامحني لأني سأُفسد عليك القصة الآن وأقول لك بأنها تنتهي بموت تلك الثورة... سأروي لك هذه القصة يا عزيزي القارئ لأنني أرجو أن تقرأ فيها قصةً – أو نبوءةً – عن ثورةٍ أخرى...

في عام 1789 وُلدت الثورة الفرنسية، التي كانت بجمال حسناوات فرنسا، وبطهارة شُعرائها. وُلدت من رحم الظلم والمعاناة، ونمت وتغذت بأنانية ولامبالاة الُحكام. وبسرعةٍ فائقة، وبقوةٍ غير مُهادِنة، انتقلت الثورة من مراهقة التمرد إلى بلوغ الثورة. وقد بلغت سن الرشد بالتحديد يوم 14 يوليو عام 1789، حين انتزعت قلعة الباستيل من أسيادها وحوَّلتها مِن حصنٍ للملك وسجنٍ للشعب إلى رمزٍ للثورة ومُعسكرٍ للشعب الثائر. والطريف عزيزي القارئ أن الملك، الذي نفذ بجلده من تلك القلعة في الوقت بدل الضائع، كان منذ يومين أو ثلاثة، في القاعات المُحصَّنة، يسأل مستشاريه بكل بلاهة: (هل هذا تمرد؟!) وقد منعته نرجسية الحُكام من الاستماع للرد الشهير لأحد مستشاريه: (كلا، يا مولاي، إنها ثورة.) هكذا، بكل بساطة ووضوح عرف الملك الحقيقة، ولكن تخمة السلاطين أقعدته عن إدراك جوع الشعوب...

وتوالت الأحداث، وانطلقت الثورة الفرنسية تنمو وتنمو، وتكسر القيد تلو الآخر بشعارها الرنان: (الحرية، المساواة، الإخاء) تلك الكلمات الثلاث التي تجري على قافيةٍ واحدةٍ في اللغة الفرنسية، فكانت مبدأً وشعاراً ونشيداً – وعداً للثائرين، وللحكام وعيداً. وياه كم حَقَّقت الثورة أحلام الفرنسيين: انتشرت حقوق الإنسان والمواطنة، وتخلصت فرنسا من الطبقية، وتحررت من نير الكنيسة الأحرش، ووقع الملك في الأسر، وظهرت على السطح الحرية الفكرية والسياسية... وتنفس الشعب الفرنسي عطر الحرية الذي غاب طويلاً عن بلاد العطور...

الجمعة، 13 ديسمبر 2013

باراسكيفيديكاتريافوبيا...


واليوم هو يوم الجمعة 13، أحد أشهر أيام السنة الميلادية! وربما الفرصة الوحيدة لمن هم مثلي للاحتفال بشيءٍ ما في نهاية السنة، على الأقل هذه السنة التي جاءت فيها الجمعة 13 في شهر ديسمبر... طبعاً الاحتفال في نفس المقعد دون تغيير وضعية الجلوس أو القيام بأي شيء مُميَّز... ربما الاحتفال وصف غير سليم، ربما فقط (الانتباه) لهذا التاريخ...

لا أعلم بالضبط لماذا أريد الحديث عن هذا اليوم، ولكن لم لا...

في عالمنا العربي والإسلامي لا يعني لنا التشاؤم شيئاً، على الأقل لا يرتبط في ديننا وتراثنا أي شيء بيوم الجمعة أو بالرقم ثلاثة عشر، بل على العكس، يوم الجمعة يومٌ مُباركٌ عندنا. ومع ذلك، وإن نجى يوم الجمعة من الوقوع في هاوية التشاؤم والخرافات، فإن الرقم ثلاثة عشر لم يكن محظوظاً بنفس الدرجة، فقد تسربت إليه عندنا بعض تلك الخرافات التشاؤمية من الغرب. ومع ذلك فالحديث هنا سيكون عن هذا اليوم في الثقافة الغربية... وبما أننا نعتمد اليوم على الغرب في كل شيء، الأفلام، الموسيقا، الأخبار، الموضة، الفنون بجميع أنواعها، التكنولوجيا، الطعام، الفيزياء، الأشجار، لا أعلم... المهم أننا نعتمد عليهم في كل شيء ونستورد ثقافتهم بالطن يومياً، ولذلك ليس غريباً أن نتحدث عن هذا اليوم وأصوله في الثقافة الغربية التي نحاول جاهدين استنساخها...

 موضوع ليوم آخر... أو بالأحرى صداع ليوم آخر...

الاثنين، 16 سبتمبر 2013

رثاء عمر المختار.



رَكَزوا رُفاتَكَ في الرِمالِ لِواءَ
يَستَنهِضُ الوادي صَباحَ مَساءَ
يا وَيحَهُم نَصَبوا مَناراً مِن دَمٍ
توحي إِلى جيلِ الغَدِ البَغضاءَ
ما ضَرَّ لَو جَعَلوا العَلاقَةَ في غَدٍ
بَينَ الشُعوبِ مَوَدَّةً وَإِخاءَ
جُرحٌ يَصيحُ عَلى المَدى وَضَحِيَّةٌ
تَـتَلَمَّـسُ الحُرِّيَةَ الحَمراءَ
يا أَيُّها السَيفُ المُجَرَّدُ بِالفَلا
  يَكسو السُيوفَ عَلى الزَمانِ مَضاءَ
تِلكَ الصَحاري غِمدُ كُلِّ مُهَنَّدٍ
أَبلى فَأَحسَنَ في العَدُوِّ بَلاءَ
وَقُبورُ مَوتى مِن شَبابِ أُمَيَّةٍ
وَكُهولِهِم لَم يَبرَحوا أَحياءَ
لَو لاذَ بِالجَوزاءِ مِنهُم مَعقِلٌ
دَخَلوا عَلى أَبراجِها الجَوزاءَ
فَتَحوا الشَمالَ سُهولَهُ وَجِبالَهُ
وَتَوَغَّلوا فَاِستَعمَروا الخَضراءَ
وَبَنَوا حَضارَتَهُم فَطاوَلَ رُكنُها
دارَ السَلامِ وَجِلَّقَ الشَمّاءَ


خُيِّرتَ فَاِختَرتَ المَبيتَ عَلى الطَوى
لَم تَبنِ جاهاً أَو تَلُمَّ ثَراءَ
إِنَّ البُطولَةَ أَن تَموتَ مِن الظَما
لَيسَ البُطولَةُ أَن تَعُبَّ الماءَ
إِفريقيا مَهدُ الأُسودِ وَلَحدُها
      ضَجَّت عَلَيكَ أَراجِلاً وَنِساءَ
وَالمُسلِمونَ عَلى اِختِلافِ دِيارِهِم
لا يَملُكونَ مَعَ المُصابِ عَزاءَ
وَالجاهِلِيَّةُ مِن وَراءِ قُبورِهِم
يَبكونَ زيدَ الخَيلِ وَالفَلحاءَ
في ذِمَّةِ اللَهِ الكَريمِ وَحِفظِهِ
جَسَدٌ بِبُرقَةَ وُسِّدَ الصَحراءَ
لَم تُبقِ مِنهُ رَحى الوَقائِعِ أَعظُماً
تَبلى وَلَم تُبقِ الرِماحُ دِماءَ
كَرُفاتِ نَسرٍ أَو بَقِيَّةِ ضَيغَمٍ
باتا وَراءَ السافِياتِ هَباءَ
بَطَلُ البَداوَةِ لَم يَكُن يَغزو عَلى
تَنَكٍ وَلَم يَكُ يَركَبُ الأَجواءَ
لَكِن أَخو خَيلٍ حَمى صَهَواتِها
وَأَدارَ مِن أَعرافِها الهَيجاءَ
لَبّى قَضاءَ الأَرضِ أَمسِ بِمُهجَةٍ
لَم تَخشَ إِلّا لِلسَماءِ قَضاءَ
وافاهُ مَرفوعَ الجَبينِ كَأَنَّهُ
سُقراطُ جَرَّ إِلى القُضاةِ رِداءَ


شَيخٌ تَمالَكَ سِنَّهُ لَم يَنفَجِر
كَالطِفلِ مِن خَوفِ العِقابِ بُكاءَ
وَأَخو أُمورٍ عاشَ في سَرّائِها
فَتَغَـيَّرَت فَتَـوَقَّعَ الضَرّاءَ
الأُسدُ تَزأَرُ في الحَديدِ وَلَن تَرى
     في السِجنِ ضِرغاماً بَكى اِستِخذاءَ
وَأَتى الأَسيرُ يَجُرُّ ثِقلَ حَديدِهِ
أَسَـدٌ يُـجَرِّرُ حَيَّةً رَقطاءَ
عَضَّت بِساقَيهِ القُيودُ فَلَم يَنُؤ
وَمَشَت بِهَيكَلِهِ السُنونَ فَناءَ
تِسعونَ لَو رَكِبَت مَناكِبَ شاهِقٍ
لَتَرَجَّلَت هَضَباتُهُ إِعياءَ


خَفِيَت عَنِ القاضي وَفاتَ نَصيبُها
مِن رِفقِ جُندٍ قادَةً نُبَلاءَ
وَالسُنُّ تَعصِفُ كُلَّ قَلبِ مُهَذَّبٍ
عَرَفَ الجُدودَ وَأَدرَكَ الآباءَ
دَفَعوا إِلى الجَلّادِ أَغلَبَ ماجِداً
يَأسو الجِراحَ وَيُعَتِقُ الأُسَراءَ
وَيُشاطِرُ الأَقرانَ ذُخرَ سِلاحِهِ
وَيَصُفُّ حَولَ خِوانِهِ الأَعداءَ
وَتَخَيَّروا الحَبلَ المَهينَ مَنِيَّةً
لِلَّيثِ يَلفِظُ حَولَهُ الحَوباءَ
حَرَموا المَماتَ عَلى الصَوارِمِ وَالقَنا
مَن كانَ يُعطي الطَعنَةَ النَجلاءَ
إِنّي رَأَيتُ يَدَ الحَضارَةِ أولِعَت
بِالحَقِّ هَدماً تارَةً وَبِناءَ
شَرَعَت حُقوقَ الناسِ في أَوطانِهِم
إِلّا أُباةَ الضَيمِ وَالضُعَفاءَ
يا أَيُّها الشَعبُ القَريبُ أَسامِعٌ
فَأَصوغُ في عُمَرَ الشَهيدِ رِثاءَ
أَم أَلجَمَت فاكَ الخُطوبُ وَحَرَّمَت
أُذنَيكَ حينَ تُخاطَبُ الإِصغاءَ
ذَهَبَ الزَعيمُ وَأَنتَ باقٍ خالِدٌ
فَاِنقُد رِجالَكَ وَاِختَرِ الزُعَماءَ
وَأَرِح شُيوخَكَ مِن تَكاليفِ الوَغى
وَاِحمِل عَلى فِتيانِكَ الأَعباءَ

أحمد شوقي. 




الثلاثاء، 2 أبريل 2013

الكفر بتاريخ العرب...


أشهدُ أني كفرتُ بتاريخ العرب، وأشهد أن العار فقط يبقى، فلا مجد ولا فخر ولا عزة...

شعبٌ يذبحه الظلم في سوريا دون أي دموع... وثورةٌ تُدفن حية عندنا في ليبيا تحت أكوام الأنانية... وطغيان يُداعَب ويُعاد انتخابه في مصر... واليمن يعاني من مجاعة العدالة... وكلنا نُغير المحطة بضجر... فهل يدل هذا الحاضرُ المُخزي على تاريخٍ مُشرِّف؟!!!

اسمحوا لي بأن أقول بكل إيمانٍ بالكفر، بكل فخرٍ بالعار، بأن البطولة العربية كذبة، وأن التاريخ العربي ليس له وجودٌ أصلاً... فرحم الله طه حسين الذي جادل مرةً بأنه لا وجود للشعر الجاهلي، ثم عاد وأعتذر... لم يكن يجب أن يعتذر، فلم يكن مُخطئاً...

لا تحدثوني عن الإسلام أو تاريخه، فأولئك الناس لم يكونوا عرباً، كانوا (مسلمين)، وذلك التاريخ ليس تاريخنا اليوم؛ إنه أسطورة قومٍ حملوا رسالةً ربانية، يقودهم نبيٌّ كريم وتؤيدهم الملائكة، وشيئاً فشيئاً انعدموا عبر العصور – الإسلام اليوم دينٌ بلا أتباع، أسطورةٌ ليس لها سوى بعض الرواة المُخرِّفِين. فلا داعي لأن نتحدث عن الإسلام والدين ونحن لا نعرف منه شيئاً، لا نعرف إلا أن الخروج على الحاكم حرام، وأن طاعة ولي الأمر واجب – دين ملوكنا وحكامنا...

لم يبقَ لنا اليوم سوى الوقوف أمام بشرٍ مُجرَّدين من أي دينٍ أو مبدأ، مُجردين من أي شيء يدل على وجود روح أو عقل... وبعد دراسة هذا (الكائن) العربي، من المستحيل ألا يكفر الواحد منا بذلك التاريخ الذي تناقلت الأجيال ملاحمه الخيالية، وتسمرنا أمام التلفاز نتابع قصص أبطاله في مسلسلاتٍ كاذبة: إنه تاريخٌ دجال...

الاثنين، 18 فبراير 2013

غير مُجدٍ في ملتي واعتقادي...


وفي وسط الثورة السورية... يترك البعض كل المعارك وكل القتال وكل الجهاد، ويتصدون لتمثالٍ أعزل! فيطلقون الرصاص على فيلسوف الشعراء، ثم يطبقون عليه حد الأصنام! ويقطعون رأسه...

ولا أعلم تماماً بماذا نرد أو ماذا نقول...

ولكنني أشك أنه إذا كان أبوالعلاء المعري حياً اليوم، أظنه كان سيهز كتفيه بلامبالاة، ويُعلق ببساطة:

غير مُجدٍ في ملتي واعتقادي *** نوحُ باكٍ ولا ترنُّمُ شادِ

وربما يضحك قليلاً ويقول: (كنت أطلب أن يتركني الناس في حالي لو كنتُ حبةً في الثرى، فما بالك وقد نصبوا لي تمثالاً؟! أشهدُ أنهم قد أراحوني!)

وفي النهاية... ربما يعبس قليلاً، ويتنهد قائلاً:

كذبوا إن ادعوا الهدى فجميعهم *** يسعون في تـيهٍ بـغير منارِ
فاهـرب بدينكَ من أولئك إنهم *** حربوك واحتربوا على الدينارِ


الثلاثاء، 12 فبراير 2013

علي بن الجهم والغربة: الضحك في جنازة هذا الغريب...


كثيراً ما تنتشر بعض قصص الشعراء بيننا عامة الناس، فنجد أنفسنا – كأكبر نقاد الأدب! – نعرف قصصاً عن الأمر بهجر الخمر عند امرئ القيس، وحب عنترة العذري وأيضاً حبه المنفلت مع السيف، وجولات الملاكمة بين جرير والفرزدق، والمجون الأعمى لبشار، وقصص أبي نواس التي تقطر خمراً، وفنون أبي تمام في النحت، والسم الحارق لابن الرومي، وعرش المتنبي على مملكة الشعر... وغيرهم الكثير ممن نجد لهم قصصاً طريفة ومُبهرة نتداولها في جلساتنا، والتي تنتشر اليوم كالنار في الهشيم على الإنترنت.

وإن كان هذا الأمر محمودٌ لما فيه من جرعات ثقافية (ولو كنت أشك في أن الإنترنت يترك أي أثرٍ دائم...) إلا أنه في أحيانٍ كثيرة تنتشر (شائعات) وحسب، قصص لا أساس لها من الصحة، وهذا أمرٌ طبيعي، فهذه القصص لا تنتشر بين متخصصين في الأدب والنقد، وإنما تنتشر بيننا نحن المتخصصين في الضحك والثرثرة.

من بين هذه القصص، قصة عن الشاعر العباسي علي بن الجهم، تقول أنه كان بدوياً خشناً، وأنه غادر البادية وذهب إلى عاصمة المدنية والتحضر بغداد. وهناك دخل على الخليفة المتوكل، وبلا شك بعد تحية بدوية جزلة ألقى عليه قصيدة مدحٍ بدأها بقوله:

أنت كالكلب في حفاظك للود *** وكالتيس في قِراع الخطوب
أنت كالدلو،  لا عدمناك دلواً *** من كبار الدلا كثير الذنوب

وطبعاً كان من الحتمي أن يختلط الأمر على جلساء الخليفة! فظنوا أن هذا الشاعر يسبه ويشتمه، وحين وقفوا لإسكات الشاعر – وربما حتى ضربه تملقاً للخليفة! – منعهم الخليفة من ذلك. وفي بادرة تدل على حكمته ونظرته الثاقبة أمر الخليفة بأن يُمنح الشاعر بيتاً على شاطئ نهر دجلة، وأن يوفر له كل ما لذ وطاب من هناء العيش (القصة تذكر فقط الطعام، ولا أعلم لماذا لم تُذكر الجواري!). وعاش الشاعر في المدينة ينعم بأطايب الثمر (والبشر!)، ثم عاد إلى الخليفة، وهذه المرة ألقى عليه قصيدةً منظومةً من العسل والمسك، بعد قصيدته السابقة المعجونة من الطين والحصى! وكان مطلع القصيدة (الحضرية) هو أحد أشهر بيوت الغزل في اللغة العربية:

عيون المها بين الرصافة والجسرِ *** جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

وهنا قال الخليفة المتوكل: (لقد خشيت عليه أن يذوب رقةً ولطافة!) وضحك الخليفة، وضحك جلساؤه، وضحك الشاعر، وضحكت بغداد كلها، وضحك الروم، وضحك الفرس... ومازلنا إلى اليوم نضحك على هذه القصة الرائعة التي سردت كيف قام الخليفة المتوكل بترويض البدوي الغليظ علي بن الجهم وجعله حضرياً رقيقاً يذيب بشعره الصخور!!! لقد قام الخليفة بحذاقة بفك عقد هذا الشاعر، وحوَّله من سلكٍ بدويٍّ شائك إلى خيطٍ حضريٍّ من الحرير!

ولكن... هذه القصة غير صحيحة إطلاقاً...

الجمعة، 25 يناير 2013

الفاشوش في الحكم على قراقوش!

جميعنا نعلم من هو قراقوش... أو على الأقل نعلم المثل الدارج: (حكم قراقوش)، والذي نستشهد به للدلالة على الظلم والاستبداد والحكم بالنزوات الشخصية. فقراقوش هو ذلك الرجل الظالم الطريف في نفس الوقت، الذي نسمع عنه قصصاً تُضحكنا وتبكينا. كالقصة التي تقول بأنه عُرضت عليه قضية لشخص سرق دجاجة، فحكم فيها بغرامة على السارق لأنه سرق، وغرامة على صاحب الدجاجة لأنه لم يحفظها، وغرامة على الشاهد لأنه تدخل في ما لا يعنيه!

القصص والطرائف تفوق الحصر، وتختلط في سجل التاريخ، فنجدها تارةً عن أعرابي، وتارةً عن قاضٍ أحمق، ونجدها حيناً عن جحا، وحيناً آخر عن قراقوش! ولكننا في النهاية نخلص من التاريخ المُختلِط بالشائعات إلى أن قراقوش كان حاكماً ظالماً مزاجياً، وتصبح عبارة (حكم قراقوش) هي الشكوى الصامتة التي يشكو بها الزوج حكم زوجته! أو الابن حكم أبيه! أو الشعب حكم سلطانهم...

إذاً جميعنا نعلم من هو قراقوش الفاشوش! ولكننا لا نعلم من هو قراقوش الحقيقي...

قراقوش الحقيقي كان ضحيةً لزميل له في الحكومة يُدعى الأسعد بن مماتي، الكاتب الذي كان يتولى ديوان الجيش والمالية، والذي قاده خلافه مع قراقوش إلى أن يؤلف عنه كتاباً أسماه: (الفاشوش في أحكام قراقوش). كثيرون حللوا سبب تأليف هذا الكتاب، بعضهم ردوه إلى محاربة الإسلام نظراً لأصل ابن مماتي المسيحي، وآخرون قالوا أنه عنصرية ضد الأجانب نظراً لأن قراقوش كان من المماليك الأتراك، والغالبية يُفسرون الأمر على أنه خلاف شخصي وسباق على المناصب. وأظن أن أرجح رأي هو الأخير؛ فمنصب قراقوش الكبير وشخصيته العسكرية والقيادية بلا شك كانت تتصادم مع شخصية ابن مماتي الأدبية والمتسلقة إن جاز لنا التعبير! ولعل خير من وصف طبيعة خلافهم هو الشيخ علي الطنطاوي في كتابه (رجال من التاريخ) حين قال: (وابن مماتي هذا كاتبٌ بارع وأديبٌ طويل اللسان... وكان الرؤساء يخشونه ويتحامونه، ويتملقونه بالود حيناً وبالعطاء حيناً. ولكن قراقوش وهو الرجل العسكري الذي لا يعرف الملق ولا المداراة لم يعبأ به، ولم يخش شره... فألََّف ابن مماتي رسالةً صغيرة سمَاها الفافوش في أحكام قراقوش، ووضع هذه الحكايات ونسبها إليه. وصدَقها الناس، ونسوا التاريخ.) وكان ما كان، وأصبح قراقوش مثلاً يُضرب في الظلم والاستبداد...

ولكن ها هي معلومة قد لا يعلمها كثيرون: قراقوش كان يعمل عند صلاح الدين الأيوبي...

مفاجأة، أليس كذلك؟!