‏إظهار الرسائل ذات التسميات فلسطين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فلسطين. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 21 أغسطس 2014

آن أن تستريح...



بالكلام الفصيحْ
وبكلِّ الوضوحْ
هكذا أنتَ يا صاحبي،
وإلى أبدٍ عابرٍ.. في الضريحْ
أنتَ لا تستسيغُ هدوءَ الزمانِ،
ولا تستطيعُ المكانَ المريحْ
قَلِقٌ أنتَ كابنِ الحسينِ على سَرْجِ ريحْ
أنجبتكَ البراكينُ يا صاحبي
مِن جراحِ المسيحْ
واصطفتكَ الأعاصيرُ ترنيمةً
لعذابِ النبيِّ الجريحْ
إنما ملكُ الموتِ يا صاحبي يدَّعيكْ
فاقترح ميتةً
قُل لنا شهوةَ الموتِ فيكْ
قُل لنا يا سميحْ
واحكِ عن حيرةِ القبرِ،
من موقعٍ أنتَ مَهَّدْتَهُ
ثمَّ بدَّلتَهُ
ثمَّ غيَّرتَهُ
ثمَّ حيَّرتَهُ
وإلى موقعٍ مُضَمرٍ لم يزلْ
في مكانٍ جميلْ
من أعالي الجليلْ
حسناً. هكذا. آن أن تستريحْ
يا صديقي سميحْ
بعد طولِ الصراعِ وعُنفِ الوداعِ وعُسْر الجدَلْ
آن أن تستريحْ
من عذاب الملَلْ
يا أخي. يا ابن أمي. ويا ابن أبي،
يا سميحْ!!

سميح القاسم


وُلد 11- مايو - 1939 واستراح 19- أغسطس- 2014 وسيبقى إلى ما لانهاية...


الأربعاء، 9 يوليو 2014

أريد أن أكتب... ولكن؟!


أريد أن أكتب عن الكثير من الأشياء...

أريد أن أكتب عن سلوى بوقعيقيص رحمها الله، أن أكتب عما يعنيه رحيلها، عما خسرته ليبيا.. أريد أن أكتب عن الشعب الليبي الذي كفرتُ به كفراً صريحاً، أريد أن أكتب عن كل الخرافات العالقة بهذا الشعب وبفطرته الملائكية! أريد أن أكتب عن معركة (المراوحة) التي تحتدم في بنغازي الآن، والتي لم ينتج عنها إلا تحويل بنغازي إلى مدينةٍ مُحاصَرةٍ بالحرب، أصبحنا نشتاق للنوم دون إزعاج القصف والقذائف والانفجارات، أمسينا نشتاق للأيام المملة حين لا تعرف أين تذهب وماذا تفعل (عوضاً عن الأيام المليئة بالجنازات والمقابر وخيم العزاء...).. أريد أن أكتب عن الاغتيالات عن التفجيرات، عن أسراب الرصاص التي تغزو بنغازي، عن طاعون الموت الأحمر المنتشر في مدينتنا، عن طوفان الأسى والألم الذي نغرق فيه.. أريد أن أكتب عن الإعلام الليبي التافه، الإعلام الذي يعتبر مسؤوليته التقاط ألسنة اللهب من المعارك والتفجيرات وإحراق المواطنين بها، الإعلام الذي يدوس مُسرعاً في دماء الضحايا ليغمس أيديه فيها ويطلخ بها وجوه المشاهدين والمتابعين والقراء، الإعلام الذي أريد سبه وشتمه بكلام قد يُصنِّف هذه المدونة على أنها مدونة إباحية زنديقية! أريد الكتابة عن التطرف، عن كارثة ممارسة الإرهاب باسم الدين، عن مأساة الوضوء بالدماء والصلاة فوق الجثث، عن جحيم التكفير بالجملة، وليس بأسعار الجملة، ولكن بالمجان للجميع! أريد أن أتحدث عن استغلال مآسي الشعب من قبل العسكريين والسياسيين والثورجيين والإعلاميين وحتى الشعب نفسه.. أريد أن أتحدث كثيراً عن مآسي ليبيا، وعن الجرح الغائر في وسط قلبها تماماً الذي هو بنغازي، وعن السبية التي هي طرابلس، وعن الجنوب الذي لم نعد نعرف أين يقع، في بلادنا أم في بلادٍ شقيقة في كوكبٍ آخر...

الثلاثاء، 6 مايو 2014

الطريق إلى القدس... رحمة والدين؟!


انتشرت أنباء المصالحة الفلسطينية، أو لنقل (وعود الساسة) حول المصالحة الفلسطينية... ويبدو أن البعض يتعامل مع هذه الأخبار وكأنها نصر عربي ساحق آخر نُضيفه إلى تاريخنا العريق المُتخم بالانتصارات الوهمية... ولكن الواقع يطرح أسئلةً تحمل هذا الخبر أبعد ما يكون عن منصة النصر، وتضعه (كطفلٍ مُشوَّهٍ منبوذ) على عتبة ملجأ أيتام... ولا أعلم بالتحديد ما هو ملجأ الأيتام هذا، ولكن أغلب الظن أنه ملجأ (الأم الحنون: الإعلام العربي)، وكما هي قصة ملاجئ أيتامنا الحزينة، فإن ملجأ الإعلام أيضاً تنشأ فيها الأوهام المنبوذة لتصبح خيبات أمل مجرمة تعيث في تاريخنا فساداً!

1

هذه المصالحة جاءت بعد انقسامٍ دام سبع سنوات تقريباً (من 2007 إلى 2014). الناس يتصالحون وينسون الماضي، ولو كان هذا الماضي هو سنواتٌ من التخوين والقتل والاتهام والطعن في الظهر (وفي الوجه أيضاً)... عادي، يمكننا أن ننسى ونسامح... ولكن، أن يُقال بأن المصالحة جاءت بناءٍ على (اتفاقية القاهرة) ولاحقتها (اتفاقية الدوحة)، فهذا ما يضعنا أمام ألزهايمر أو إصابة بالخرف، وليس نسيان إرادي ومسامحة!!! فهذه الاتفاقيات هي من أبرز مظاهر الانقسام بين حركتي فتح وحماس! ولا أعني الاتفاقياتين في حد ذاتهما، ولكن أعني تفسيرهما (المختلف حسب وجهة النظر الفتحاوية والحماسية)، والتناقضات الواردة في الاتفاقيات، ونقص الاتفاقيات من حيث توضيح مهام واختصاصات الحكومة التوافقية المؤقتة التي ستُمهِّد للانتخابات الرئاسية والتشريعية، وأيضاً عدم وجود ضوابط زمنية (وفلسطين لطالما عانت من انفلات المفاوضات والمصالحات التي لم تُقيَّد بفترة زمنية... ناهيك عن أن غالبية تلك المُقيَّدة بفترات زمنية قد أخفقت!)، وقد أشار الكثير من المحليين والمراقبين إلى كل هذه المشاكل لم تتم الإشارة إلى حلولها في (إعلان غزة) الذي تم فيها إعلان المصالحة وفق الاتفاقيات المذكورة، وتجاهُل (إعلان غزة) لكل هذه التفاصيل يفرض علينا أن نتساءل عن مدى جدية وواقعية هذه المصالحة.

هل هنالك تنازلات مستقبلية تم الاتفاق عليها؟ أم ربما وضع كل طرف شروطاً وافق عليها الطرف الآخر؟ أم ربما هنالك اتفاق على إذعان طرف لطرف آخر؟ أم لعلها فقط مناورة سياسية من الطرفين؟ أم ربما الإعلان كان فقط مختصراً ولم يتطرق لكل التفاصيل الاتفاقية والتفسيرية المبنية على اتفاقيتي القاهرة والدوحة؟ تساؤلاتٌ كثيرة، ولكن الأمر لا يتوقف عند تشكيك المراقبين في حقيقة هذه المصالحة ومدى جديتها؛ فالعلاقات الفلسطينية شيء، والعلاقات الفلسطينية الإسرائيلية شيءٌ آخرٌ تماماً!

الخميس، 25 يوليو 2013

فلسطين...

لم أستطع أن أجد عنواناً لهذه الخاطرة سوى محاولة التذكر... وهي ليست (صورة وفكرة) فعلاً، ولكنها صورةٌ وعاصفةٌ من الجراح...

كتبتُ عن ناجي العلي في ذكرى اغتياله... ومن بين رسوماته الرائعة مررتُ على لوحة ذكرتني ببيت شعر لإبراهيم طوقان...

قــضيــةٌ نــبــذوهـا بعدما قُتــِلَــتْ،    ما ضــرَّ لـو فــتحوا قـــبراً يُوارِيها



الفكرة الأولى: كل شيءٍ مُرتبط، إبراهيم طوقان وناجي العلي، الشعر والرسم، الماضي والحاضر... كل شيءٍ مُرتبط...
الفكرة الثانية: قالها إبراهيم طوقان منذ 60 سنة، ورسمها ناجي العلي منذ 30 سنة، واليوم نكاد ننساها...
الفكرة الثالثة: اللهم ارحم فلسطين... والرحمة تجوز على الحي والميت... وتبقى فلسطين سؤالاً... اللهم ارحم فلسطين...
الفكرة الرابعة: أبكي على فلسطين، ولكني لا أنسى ليبيا، وأغضب على ليبيا، ولكني لا أنسى فلسطين...
الفكرة الخامسة: إلى متى سنذكر؟ ومتى سننسى؟ وما الذي يجعلنا نتذكر؟ وما الذي سيرغمنا على أن ننسى؟

فلسطين...

فــــلــــســــطـــــيـــــن...

فـــــــــ
    ـــــــلـــــــ
         ــــســــــ
                 ــــطـــــ
                         ـــــيـــــــ
                                   ـــــــــن...

شيئاً فشيئاً تتلاشى من عقولنا... شيئاً فشيئاً تُصبح قضيةً مُجرَّدة، حروفاً مُبعثرة، أرواحاً مُشرَّدة، شعباً مُنقرِضاً، أرضاً خرافية...

شيئاً فشيئاً لم أعد أعرف هل أفرح بأننا مازلنا نبكي عليها، دون أن نفعل شيئاً، أم أُعلل نفسي بأننا سوف ننساها...

أمـــــس كُـــــنّا.. وأمــــس كُـــــنّا وكُنّا       وصـــــروفُ الــــزمــانِ دارتْ علــــينا
الفـــــتى الحــــرُّ بـــاتَ عـــــبداً ذلـــيلاً        والــزعــيمُ المــــهـــيـــبُ أصــــبـحَ قِــــــنّا
في ظـــــلامِ التــابـوتِ نـــفتــحُ عـيناً        وشـــمـوس الحـــياة تُـــغمِضُ عـــينا
الطغاةُ الأجلافُ صالوا وجالوا        آخٍ منـــهم، وآخ مــــنّا.. ومــــنّــــا
والغـــــزاةُ العلوجُ عــــبءٌ ثــــقــــيــــلٌ         مـــــلءَ لـــــيلٍ أهـــــوى وجَــنَّ وجُنّا
وتصـــيحُ العــيونُ خـــــزياً ورعـــــباً:        يا هلالَ التاريخ أينكَ.. أينا؟!

سميح القاسم.


الاثنين، 22 يوليو 2013

حنظلة... بكلمات ناجي العلي...



(أما حنظلة، فلم أرسمه بدافع الفذلكة أو العبثية، والإنسان اللي على علاقة حميمة مع حنظلة يقدر يستشف إذا كان عم بيبكي إذا كانت عيونه عم تدمع... إذا كان غضبان، مع أنو مش شايف وجهو، وأفضل من حلل وكشف عن شخصية حنظلة الشاعر العراقي الكبير بلند الحيدري كتب عن حنظلة وقال أنه يتطلع للأمام، يؤرخ، يسجل، يتبنى القضايا، يعرف أصدقاءه من أعدائه.. يجذب اهتمام الناس للقضايا لأنه يتفاعل مع الأحداث والذي يستخف في موقف حنظلة قال بلند أنه هو من يدير ظهره له.

حتى (التكتيفة) اللي كتفتوا إياها في حرب أكتوبر جاءت لتدل على أنه بريء من التسوية، زي الطفل الحردان من أمه لأنها ما أعطته الحلوى، عندما أقوم بتحريك حنظلة لا أفعل ذلك عن افتعال. كان حنظلة في السابق يتكلم مع نكسون باللغة الإنجليزية، يلعب مع أطفال مخيم تل الزعتر في لبنان، يقطع النهر، يغني طاق طاق طاقية، أنا بلا هوية، يهزج ويقول ويحكي.. ولكن وقت الجد يكون حنظلة في موقعه، ويتفاعل مع الناس، أنا لا أحرك حنظلة كالبهلوان أو المهرج، حنظلة له كرامته وهو ليس أراجوز، وليس توم وجيري، ويوجد كثير ممن انتقده بحدة وقال عنو أنو ما بيضحك للرغيف السخن أي أنه غير مرح مع أنهم لم يروا وجهه وأنا أحب أن أقول لهؤلاء حنظلة يعبر عن واقعنا الغير مرح على ما أعتقد وهو في النهاية ليس مهرجاً عند أحد.)

(إنه شاهد العصر الذي لا يموت.. الشاهد الذي دخل الحياة عنوةً، ولن يغادرها أبداً.. إنه الشاهد الأسطورة، وهذه الشخصية غير قابلة للموت، وُلدت لتحيا وتحدت لتستمر.
هذا المخلوق الذي ابتدعته، لن ينتهي من بعدي بالتأكيد، وربما لا أبالغ إذا قلت أنني قد أستمر به بعد موتي.)

ناجي العلي. (من كتاب: ناجي العلي الشاهد والشهيد.)

هذا الولد... ناجي العلي...


"أريده مقاتلاً، مناضلاً ورافضاً لكل ما يجري على الساحة من مؤامرات وخذلان.
وحقيقة الطفل أنه منحاز للفقراء لأنني أحمل موقفاً طبقياً، لذلك تأتي رسومي على هذا النحو، والمهم رسم الحالات والوقائع وليس رسم الرؤساء والزعماء.
إنه شاهد العصر الذي لا يموت.. الشاهد الذي دخل الحياة عنوةً، ولن يغادرها أبداً.. إنه الشاهد الأسطورة، وهذه الشخصية غير قابلة للموت، وُلدت لتحيا وتحدت لتستمر.
هذا المخلوق الذي ابتدعته، لن ينتهي من بعدي بالتأكيد، وربما لا أبالغ إذا قلت أنني قد أستمر به بعد موتي."

ناجي العلي.


العشاء الأخير.

كم هو شريرٌ هذا الولدُ حنظلة
نمنحه الاسمَ الجميلَ ناجي
فيهزأ بنا
عن أية نجاةٍ تتكلمون؟
عن نجاة 1948
أم نجاة 1967
أم نجاة 1982 ؟
عن نجاة أيلول الألوان الأربعة
أم نجاة تل الزعتر وصبرا وشاتيلا
وعين الحلوة؟
أنا المواطن الحلو من مخيم عين الحلوة
أختصر نجاتي وألخص حلاوتكم
في الاسم الحلو الأخير الذي يليق
بي وبكم:
حنظلة!
كم هو شريرٌ وفاضحٌ
هذا الولد حنظلة
نستمرئ الموت ونحلق في سماء
الانتصارات القومية الباهرة
فيشدنا بشعرة من ريشته ويهوي
بنا
إلى حضيض الواقع المهزوم
كم هو قاسٍ هذا الولد
نقرع طبولنا في مواكب الملوك
والرؤساء
فيفقأ طبولنا بقطرة حبر
نرى ما لا نرى فيمسح الأرض
بعزتنا الكاذبة ويشد نعال
آذاننا بلا رحمة:
كم أنتم ساقطون
كم أنتم تافهون
اخرجوا من خلف أكاذيبكم
اخرجوا من حظائر عروشكم
وقصور رئاستكم واعترفوا
بحقارتكم
كم هو شريرٌ وقاسٍ
هذا الولد حنظلة
إنه يقول الحقيقة
شريرٌ وقاسٍ أنت يا حنظلة
لأنكَ جميلٌ في زمن القبح
صادقٌ في زمن الكذب
جريءٌ في عصر الجبناء
أمينٌ في عهد الخونة
طويلٌ في مزرعة المسخوطين
نبيلٌ في بورصة الارتزاق
والارتداد
وكم أنت مثابرٌ ومبدئي في جلدنا
بتذكيرنا بعبوديتنا نحن شم
العرانين الراغمة
المدمنين على مخدرات الكرامة
بلا كرامة
والهمة في القعود
والشرف في العار
قاسٍ أنت وشرير
ومبدئي
فمن أجدر منك بالموت
يا حنظلة
لن تقلق راحة قيلولتنا
بين نعال الغزاة
من إسرائيل حتى أمريكا
لن تقض مضاجعنا المفروشة
بالورد الاصطناعي المستورد
وردٌ صطناعي بنفط خام
هذه هي معادلتنا
فلماذا تنغص علينا سقوطنا
وهواننا
كم أنت جدير بالموت يا حنظلة.
كم أنت جدير بالموت!

سميح القاسم.

ناجي العلي: ذكرى الأمل...

"ريشتي... هي سلاحي الوحيد الذي أواجه به شراسة قوى الشر في هذا العالم."

في مثل هذا اليوم، منذ 26 سنة، وقفت ريشة ناجي العلي في مواجهة كاتم صوت قوى الشر... تصارعت الريشة مع المسدس، الحبر مع البارود، الدماء مع الغدر...

وفي مثل هذا اليوم، منذ 26 سنة، انتصرت ريشة ناجي العلي على كل قوى الشر في العالم... في مثل هذا اليوم، 22-07-1987م، رسم ناجي العلي لوحته الأخيرة بدمائه على أرصفة المنفى، وكان قد ترك وصيته في رسوماته الأخيرة: ارفعوا أيديكم عن المخيمات، مبروك يا فاطمة.. جاءك.. حجر، من يتنازل عن جزء من وطنه.. لا يستحق الجزء الآخر، لا رأس فوق المساءلة.. لا حصانة أمام العدل، كنسوا قادتكم الفاشلين، لا لكاتم الصوت... لا للاغتيالات السياسية، الوصايا العشر: لا تصالح.. لا تصالح.. لا.. لا...


حياة ناجي العلي لم تُنهى فجأةً، لم تُخطف، بل اختُتِمت بالشهادة، بتجسيد البطولة، بولادة الأسطورة... الرسوم رُسمت، والمبادئ أُرسيت، والوصية كُتبت، والتضحية جاءت لحظتها... لم يكن الموت بالنسبة لناجي شيئاً طارئاً، مفجأةً مُفزعة مليئةً بالسواد والهلع، كلا، لقد كان الخطوة التالية لمسيرته المستحيلة... لم تحن لحظة الشهادة إلا لكي يخترق ناجي بموته كل الخطوط الحمراء التي كان يرقص فوقها في حياته... تلك الخطوط الحمراء التي كان ناجي يدرك مدى بشاعتها ويشعر تجاهها بالقرف...

"بلا خطوط حمر... بلا خضر... بلا... شو بدهم؟ يطخوني؟! ولك شو بتسوى هالعيشة؟! ولك لوين رايحين فينا؟!" ناجي العلي، في ربيع 1987 قبل اغتياله بأشهر، رداً على تعليق عن ملامسته للخطوط الحمراء.

لقد كان ناجي يعلم جيداً أنه كلما أمسك ريشته فقد كان يرسم روحه، وطنه، شعبه، قضيته، مبدأه، عقيدته، وأيضاً وصيته التي يقف حنظلة شاهداً على أن ناجي كتبها بكامل قواه العقلية وبكامل بطولته الجنونية.

الجمعة، 12 يوليو 2013

التغذية القسرية: تعذيب حقيقي...

هذه خاتمة المقالة الأخيرة (تغذية قسرية...) الموجودة في الأسفل... لأهمية الفيديو، ونظراً لطول المقالة الذي قد يحول دون وصول القارئ (إن وُجد) إلى خاتمتها، فقد رأيت ضرورة نشر الفيديو مستقلاً...


فيما يلي فيديو يُظهر تجربة قامت بها صحيفة ذي جارديان The Guardian البريطانية، تبرع فيها الممثل والمغني الأمريكي ياسين بي (الشهير بلقب Mos Def) لتجربة عملية التغذية القسرية كما تُنفذ في سجن قوانتانامو...

قبل مشاهدة الفيديو يجب التحذير... محتواه قد يكون مؤذياً لمشاعر البعض... ولكن، هذا ما قد يعانيه عشرات، وربما مئات الأسرى الفلسطينيين إذا تم إقرار القانون الخاص بالتغذية القسرية... فأرجو أن تكون لدينا مشاعر يمكن أن تتأذى...

تغذية قسرية...

عنوان هذه المقالة لا علاقة له برمضان، ولا علاقة له بالصحة... ولكن له علاقة بالمعاناة، وله علاقة بالصمت...

ما يُقارب من 5,000 أسير فلسطيني يُعانون في سجون الصمت، الصمت الإسلامي والصمت العربي، والصمت العالمي... سجنهم الحقيقي ليس الجدران التي يحرسها الجنود الإسرائيلييون، بل سجنهم الحقيقي هو القبر الذي تتعفن فيه جثة الضمير الإنساني... وكذلك معاناتهم، ليست الاعتداء والضرب الوحشي في غرف التحقيق، معاناتهم ليست التعذيب الإسرائيلي الذي أودى بحياة العشرات من الأسرى، ولا هو الإهمال الطبي الذي قتل منهم العشرات أيضاً، ولا هو القتل العمد والإعدام... معاناتهم، عذابهم الحقيقي، هو مللنا منهم ومن قضيتهم... عذابهم الحقيقي هو أن دماءهم أصبحت شفافةً لا نراها، صيحاتهم أضحت همساتٍ لا نسمعها، وموتهم أمسى خبراً مُضجراً يمر بسرعة على شريط الأخبار...

هؤلاء الأسرى لم يعد لديهم سبيل للمقاومة، سبيل لإثبات وجودهم، سوى الإضراب عن الطعام... وبذلك أثبتوا أنهم أحرار، أثبتوا بجوعهم أنهم أكثر حريةً منا بصمتنا... فكانوا جميعاً كشيخ الأسرى خضر عدنان الذي قال عنه الشاعر إياس يوسف نصر بأنه:

يـصومُ عــن الـــخبزِ لـــيحـــيــــا
فبخبزٍ لا يحـــيـــا الإنسان...
هل تعرف شخصاً مسجوناً
قد سَجنتْ معدته العُدوان؟!

نعم، كذلك الأسرى الفلسطينيون يحيون بالكرامة، لا بالخبز، وكذلك تفشل إسرائيل في سجنهم، وتسجن فقط معداتهم!


في الأيام الماضية، وبينما بدأت أمتنا الإسلامية، والعرب منا بالتحديد، بينما بدأنا في تجهيز موائد رمضان المترفة لكي نملأ بطوننا بتخمة اللامبالاة، لكي نُساهم في بناء سد الصمت بحشو أفواهنا، في هذه الأيام بدأت وزارة العدل (هل لهذه الكلمة وجود عند إسرائيل؟!) بدأت هذه الوزارة الوهمية، بالتعاون مع وزارة الداخلية والمخابرات الإسرائيلية وجهات أمنية وعسكرية متفرقة، في صياغة وترويج مشروع قانون يسمح لإدارة السجون بإطعام الأسرى المضربين عن الطعام بالإكراه. بالطبع لابد من أن تدعي إسرائيل أنها دولة قانونية وديمقراطية وغير ذلك من خرافات، وبالتالي فإن القانون المُقترح حول (التغذية القسرية) سوف يسمح بإطعام الأسرى بعد موافقة المحكمة! نفس المحكمة التي تسجن الأسرى ظلماً هي التي سوف يعود إليها تقرير ما إذا كانت هذه التغذية القسرية عادلة أم لا! أمرٌ غير منطقي، ولكن النزاع الفلسطيني الإسرائيلي لم يعد فيه مجال للمنطق ونتف الشعر...

الثلاثاء، 2 أبريل 2013

الكفر بتاريخ العرب...


أشهدُ أني كفرتُ بتاريخ العرب، وأشهد أن العار فقط يبقى، فلا مجد ولا فخر ولا عزة...

شعبٌ يذبحه الظلم في سوريا دون أي دموع... وثورةٌ تُدفن حية عندنا في ليبيا تحت أكوام الأنانية... وطغيان يُداعَب ويُعاد انتخابه في مصر... واليمن يعاني من مجاعة العدالة... وكلنا نُغير المحطة بضجر... فهل يدل هذا الحاضرُ المُخزي على تاريخٍ مُشرِّف؟!!!

اسمحوا لي بأن أقول بكل إيمانٍ بالكفر، بكل فخرٍ بالعار، بأن البطولة العربية كذبة، وأن التاريخ العربي ليس له وجودٌ أصلاً... فرحم الله طه حسين الذي جادل مرةً بأنه لا وجود للشعر الجاهلي، ثم عاد وأعتذر... لم يكن يجب أن يعتذر، فلم يكن مُخطئاً...

لا تحدثوني عن الإسلام أو تاريخه، فأولئك الناس لم يكونوا عرباً، كانوا (مسلمين)، وذلك التاريخ ليس تاريخنا اليوم؛ إنه أسطورة قومٍ حملوا رسالةً ربانية، يقودهم نبيٌّ كريم وتؤيدهم الملائكة، وشيئاً فشيئاً انعدموا عبر العصور – الإسلام اليوم دينٌ بلا أتباع، أسطورةٌ ليس لها سوى بعض الرواة المُخرِّفِين. فلا داعي لأن نتحدث عن الإسلام والدين ونحن لا نعرف منه شيئاً، لا نعرف إلا أن الخروج على الحاكم حرام، وأن طاعة ولي الأمر واجب – دين ملوكنا وحكامنا...

لم يبقَ لنا اليوم سوى الوقوف أمام بشرٍ مُجرَّدين من أي دينٍ أو مبدأ، مُجردين من أي شيء يدل على وجود روح أو عقل... وبعد دراسة هذا (الكائن) العربي، من المستحيل ألا يكفر الواحد منا بذلك التاريخ الذي تناقلت الأجيال ملاحمه الخيالية، وتسمرنا أمام التلفاز نتابع قصص أبطاله في مسلسلاتٍ كاذبة: إنه تاريخٌ دجال...

الاثنين، 17 ديسمبر 2012

من يستحق أن يُبكى عليه؟!



لستُ قلقاً على الأسرى الفلسطينيين... كلا، لا أُشفقُ عليهم أو أتفضل عليهم ببعض المشاعر المرهفة... تلك إهانةٌ لهم!

كيف أفعل ذلك؟!

كيف أُحس بالشفقة أو الحزن على الأسرى، على جيشٍ من المقاتلين، يخوضون معركةً يراها البعض خاسرة، يقتحمون جبهةً بلا سلاح... كيف أحزن عليهم وما رأينا صورهم إلا وجدناهم يبتسمون ابتسامةً نحسدهم عليها... كيف أبكي عليهم وأنا طليقٌ وهم يُتغنون في الأسر:

يا ظلام السجن خيِّم    إننا نهوى الظلاما
ليس بـعد الليل إلا     فجرُ مجدٍ يتسامى

كيف أحزنُ على قصة العشق هذه؟! كيف أُشفق على من يعيشون قصةٍ عشقٍ وشغفٍ، لا مع السجون، لا مع الظلام، ولكن مع الوطن... كيف؟!

السبت، 8 ديسمبر 2012

المستقبل والماضي والحاضر... كلها عار...


منذ فترة قرأتُ قصيدةً لإبراهيم طوقان رحمه الله. ومع قصة (الدولة المراقبة) تذكرتُ تلك القصيدة...

قلتُ في نفسي سبحان الله، هل تنبأ إبراهيم طوقان بالمستقبل؟! هل نظر عبر الأجيال القادمة كلها وعرف من سيظهر علينا من متخاذلين؟!

أم أننا نحن العرب احترفنا الخيانة والتخاذل منذ الأزل؟! هل أصبحت هذه مهنتنا الأزلية فلم يعد غريباً ألا يتغير شيء منذ 60 سنةً؟!

لا أعلم... ولكنني أعلم شيئاً واحداً... ياللعار...

أمَّا سماسـرة البـلاد فـعصبةٌ *** عـارٌ على أهـل البـلاد بقاؤها
إبـليسُ أعـلن صاغراً إفلاسه *** لمَّـا تحـقق عـنده إغـراؤها
يتنـعمون مُـكرَّميـن، كـأنما *** لنعـيمهم عمَّ البـلاد شقـاؤها
هم أهـل نجدتها، وإن أنكرَتهم *** وهمو، وأنفكَ راغمٌ، زعماؤها!!
وحُماتها، وبهم يتم خـرابُـها *** وعلى يديهم بيـعها وشـراؤها

الجمعة، 7 ديسمبر 2012

الدول المُراقِبة...


أرجو أن تعذريني يا فلسطين لأنني لستُ سعيداً بحصولك على صفة (دولة مراقبة)... وأرجو أن يعذرني معارفي الفلسطينيون لأنني لن أستقبلهم بباقات التهنئة والمباركة... أُحب فلسطين، ولكنني لا أُحب العالم؛ ولذلك لا سعادة أراها في الأفق بهذا القرار الأممي التعيس.

لا أعرف من أين أبدأ تشاؤمي، فمصادر التشاؤم عندي – والحمد لله – تكفي لتمويل عشرة من دول العالم الثالث إلى أن تشرق الشمس من مغربها، أو إلى أن تتحرر فلسطين، والعبرة هي بأقصر الأجلين! ولكن، ربما أستطيع ضغط كل هذا التشاؤم في إطارٍ واحد... فلتكن مسرحية، مسرحية من ثلاثة فصول.

  • الفصل الأول: البطل عباس وعمليته الفدائية في المجتمع الدولي! 
جميعاً نعلم أن بطولات المقاوم والمناضل والسوبرمان محمود عباس هي بطولات لا يُعجب بها إلا الأمريكيون والإسرائيليون. وهو شيء يمكن تفهمه، فأرجو ألا نتسرع في أي اتهامات بالخيانة أعوذ بالله، فالرجل لا يخون أحداً، كل ما في الأمر أن بطولاته هي من تأليف وإنتاج وإخراج أمريكا وإسرائيل، فكيف نُسميه خائناً وهو من أوفى الأوفياء لأسياده؟!

وعلى أي حال، فقد ظهرت منه شجاعة كبيرة في الفصل الأول من هذه المسرحية، حيث انتفش كالديك وأذن في الناس: (أنا ذاهبٌ لأطالب بصفة دولة مراقبة لفلسطين)!!! الله أكبر! دولة مشلولة! ولكن، العبرة كلها ليست في هذه الخطوة، ولا حتى في الاتصالات الهاتفية والتصريحات التي حرص فيها عباس على إسماع العالم تأكيد أمريكا لتأييدها لإسرائيل. العبرة كلها في أن أمريكا وإسرائيل وقفتا معاً في هذه الواقعة، وقالتا معاً لعباس: لا وألف لا! ومعاً أيضاً رفعتا عباس إلى منصبه كالمفاوض – أو بالأحرى المتنازل – الأوحد باسم الشعب الفلسطيني. وأُسدل الستار على الفصل الأول، وقد أكدت أمريكا ولاءها لإسرائيل، وأصبح عباس بطلاً قومياً يتحدى العالم!

الأربعاء، 5 ديسمبر 2012

كُلنا في الهمِّ فلسطينُ...


منذ فترة قصيرة نُشرت لي مقالة عن فلسطين... مقالة دعوتُ فيها إلى عدم نسيان فلسطين، بالرغم من كل الجراح التي تصرخ منها ليبيا، دعوت إلى أن نسمع صوت فلسطين، وبالرغم من كل الحُفر التي وقت فيها بلادنا فلم تعد حتى ترى السماء، دعوت إلى أن نتطلع إلى فلسطين، وبالرغم من أن أيدينا مقيدةٌ بهموم الداخل، فقد دعوت إلى أن نمدها إلى الخارج – إلى فلسطين.

لن أقول بأن ردة الفعل على تلك المقالة فاجأتني... وهي على أي حال ليست ردة فعلٍ عالمية، حفنةٌ من التعليقات، وآراء قلة من الأشخاص الذين أعرفهم. ولكنها كانت كلها آراءٌ متفقة: (دعنا نهتم بمشاكلنا في ليبيا أولاً...) ولتبقى فلسطين إذاً يتيمةً أبد الدهر... ولكن، بالطبع، التعبير عن هذه الآراء كان يختلف ما بين الأشخاص الذين صارحوني وجهاً لوجه بنوعٍ من المراعاة لوجهة نظري، وبين الأشخاص الذين يفصلني عنهم الإنترنت كله ولا يحتاجون للمجاملة – لقد كانت التعليقات المنشورة أكثر صراحةً وأكثر تعبيراً عن مشاعر بعض الليبيين. فترددت عبارة (إذا كنتَ مواطناً ليبياً...) وأحدهم حرص على تأكيد العبارة بالقول (إذا كنت مواطناً ليبياً أصلياً...)!!! وغيرهم يقول: (اذهب أنت وحرر فلسطين...) واثنان أو ثلاثة يبررون موقفهم من تجاهل القضية بشتم وسب الفلسطينيين... وهذا الرأي الغالب... وصوتان أو ثلاثة يتحدثون بهدوء عن مشاكل ليبيا دون ذكر فلسطين أو جنسيتي... وصوتان يهمسان معي بقضية فلسطين...

فلماذا أكتب عن فلسطين؟ بل لماذا أُفكر فيها؟ أو أضايق الآخرين بالحديث عنها؟!