‏إظهار الرسائل ذات التسميات صاحبي الموت. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات صاحبي الموت. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 21 أغسطس 2014

آن أن تستريح...



بالكلام الفصيحْ
وبكلِّ الوضوحْ
هكذا أنتَ يا صاحبي،
وإلى أبدٍ عابرٍ.. في الضريحْ
أنتَ لا تستسيغُ هدوءَ الزمانِ،
ولا تستطيعُ المكانَ المريحْ
قَلِقٌ أنتَ كابنِ الحسينِ على سَرْجِ ريحْ
أنجبتكَ البراكينُ يا صاحبي
مِن جراحِ المسيحْ
واصطفتكَ الأعاصيرُ ترنيمةً
لعذابِ النبيِّ الجريحْ
إنما ملكُ الموتِ يا صاحبي يدَّعيكْ
فاقترح ميتةً
قُل لنا شهوةَ الموتِ فيكْ
قُل لنا يا سميحْ
واحكِ عن حيرةِ القبرِ،
من موقعٍ أنتَ مَهَّدْتَهُ
ثمَّ بدَّلتَهُ
ثمَّ غيَّرتَهُ
ثمَّ حيَّرتَهُ
وإلى موقعٍ مُضَمرٍ لم يزلْ
في مكانٍ جميلْ
من أعالي الجليلْ
حسناً. هكذا. آن أن تستريحْ
يا صديقي سميحْ
بعد طولِ الصراعِ وعُنفِ الوداعِ وعُسْر الجدَلْ
آن أن تستريحْ
من عذاب الملَلْ
يا أخي. يا ابن أمي. ويا ابن أبي،
يا سميحْ!!

سميح القاسم


وُلد 11- مايو - 1939 واستراح 19- أغسطس- 2014 وسيبقى إلى ما لانهاية...


همسةٌ مُستجابة...

ورقٌ.
ورقٌ سيدي.
إنه ورق.
أشتهي ورقاً للكتابة سيدي
لم يعد ثمَّ مُتسعٌ فوق جلدي العتيقِ
كتبتُ عليه طويلاً
وندوب الجراح القديمة، تلك سطوري
ليقرأها الناس لو يقرأُ الناسُ جيلاً فجيلاً
سيدي. وثقوب سجائركَ المُطفأَهْ
فوق جلدي، نقاطكَ فوق حروفي
وإيقاعُ أغنيتي المرجأهْ

* * *
ورقاً. سيدي
أشتهي ورقاً للكتابه
كي أعيد الكتابه
أن موتي دُعابه..


ورحل سميح القاسم... رحل آخر شاعرٍ حقيقي في عالمنا العربي.. فارسٌ آخر في ركب اللغة العربية يسقط مع حصانه.. نبي شعرٍ آخر تُختم رسالته.. شيخٌ صوفيٌّ آخر يتلو ورده الأخير، صلاته الأخيرة، قصيدته العظمى، حياته الكبرى... يوقعها بموته: سميح القاسم. تنطفئ الأضواء في عالمه، ويُشعل سيجارةً في الظلام.

حين قرأتُ الخبر يوم الثلاثاء (19-أغسطس-2014)، حين قرأتُ الخبر، حين قرأتُ الألم، أصبح العالم أكثر ظلاماً.. أكثر اختناقاً.. أكثر قسوةً.. أكثر وحشةً.. فجأةً هكذا وفوراً: تغير العالم من حولي وفي داخلي.. تغير كل شيء... حاولت فوراً أن أتذكر كل تلك القصائد، كل تلك المقطوعات، كل تلك الكلمات التي كنتُ أنسخها على قصاصات الورق، أحملها في جيبي إلى كل مكان، وأحفظها فأحملها في صدري إلى كل مكان.. حاولتُ تذكُّر كل ما أحفظه له: ولكنني لم أستطع.. لعل حفظ أشعاره بروحي لم يكن سليماً، لعل روحي كانت مشغولةً وقتها بالنواح لا بالتذكر، لعل أشياءً كثيرة، ولكنني فقط لم أتذكر.. ووحيداً هكذا، واقفاً دون أشعاره وقصائده، غمرتني موجة الألم.. استخرجتُ بعض دواوينه، أردتُ أن أقرأ، ولكنني لم أستطع، لم أستطع أن أفعل شيئاً سوى أن أكتم الدموع في عيني: توقفي هنا تماماً.. توقفي فلن يُجدي البكاء في شيء، ولن ترحمه دموعي، ولن ترحمني أنا أيضاً.. الدموع ستكون فقط سؤالاً ممن حولي: ما الذي حدث؟!

وكيف أستطيع أن أقول لهم أنا أبكي على رحيل رجلٍ لم أقابله يوماً؟ كيف أقول لهم أنني أبكي على رحيل شاعر، فقط شاعر، مُجرَّد شاعر، شاعرٌ في زمنٍ تافهٍ انعكست فيه قيمة الأشياء، كيف أقول لهم أنني أبكي شاعراً وحسب؟ وكيف أستطيع أن أقول لهم بأن هذا الرجل البعيد، هذا الشاعر، يعني لي الكثير، يعني لي أكثر مما يعنيه بعض مَن هم حولي، أناسٌ أراهم أمامي ولا أقرأ كلماتهم فحسب، أشرب معهم القهوة ولا أقرأ عنها في قصائدهم، كيف أستطيع أن أقول لهم: هو بالنسبة لي أكثر، أكثر من كثيرٍ منكم، أكثر بكثير... وكيف تشرح لهم بأن رحيل هذا الرجل يؤلمك بعمقٍ حقيقي وأنت تدرك أنهم سيقولون لك: العالم غارقٌ في الحرب والقصف والموت، وأنت تبكي رحيل شاعر؟!

كيف كل هذا الصراع مع العالم من حولي؟ وماذا يجدي؟ وماذا تجدي الدموع؟ وماذا يجدي أي شيء أمام كل هذا الرحيل، كل هذا الفراق، كل هذا الألم...