‏إظهار الرسائل ذات التسميات رثاء. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رثاء. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 23 ديسمبر 2014

مدينةٌ ضائعة...






أنا من مدينةٍ كانت فيما مضى.. حسناً.. مدينةٌ لم تكُن أبداً.. أعني لم تكُن يوماً شيئاً جديراً بالذكر؛ كل ما في الأمر أن كلَّ ماضٍ سنراه جميلاً ونحن نقف في حاضرٍ تعيس، حاضرٍ يفرض علينا النظر إلى الخلف كثيراً، النظر إلى زمنٍ كان هو أيضاً تعيساً، ولكن ربما لأنه بعيدٌ الآن فنحن لا نظن بأنه كان تعيساً، ربما لأننا دائماً لا نحتمل الألم الراهن، فنتصور بأن الألم السابق كان أخف وطأةً على أرواحنا، ربما لأنه دائماً من الأسهل أن نحلم بالعودة من أن نُفكِّر في متابعة المسير، ربما أشياءٌ كثيرة، وخلاصتها أن الماضي التعيس سيبقى دائماً في أعيننا أزهى وأجمل من أي حاضرٍ تعيس – وطوبى لمن أنساه حاضره تعاسة ماضية، بالألم أو بالفرح...

مدينتي – التي لا أمتلكها! – كانت مُجرَّد مدينةٍ صغيرةٍ تتوسع باستمرار. مدينةٌ لها طموحٌ أكبر من حجمها، ولعل هذا التوسع هو سبب ضياعها؟ ربما، لا أعلم، لكن مُجرَّد التفكير في أن كل الفرح، كل الأخلاق، كل الطيبة، كل الخير، كل الجمال، كل الحياة حين تتمدد أكثر وأكثر فإنها تُصبح أقل كثافةً، أعني تفقد قوة نسيجها، تتمدد وتصبح رفيعةً جداً وقابلةً جداً للتمزق بكل سهولة. ولعل هذا ما حدث حين حاولت المدينة أن تتمدد لتسع وطناً كاملاً، فتمزقت وتمزقت وتمزقت... هي الآن بقايا مدينة، بقايا ماضٍ تعيسٍ جميل.

كانت المدينة عاصمة التمرد في بلادنا، وكانت عاصمةً ثقافية، وكانت عاصمة الحراك السياسي، وكانت عاصمة التقاء كل العقول: الأصيلة بلباسها البدوي المهيب، والحديثة ببذلها الأجنبية الذكية. لم يكن من فراغٍ أن لُقِّبت المدينة "رَبَّايَةَ الذَّايح" مُربِّية المسافر أو النازح أو الغريب أو التائه، أو كل ذلك مجتمعاً، فالمدينة كانت أيضاً عاصمة الاحتضان، عاصمة الاحتواء، عاصمة الأمومة في هذا الوطن... لعل هذا ما منحها كل صفاتها، لعل هذا ما جعل الكثير من الناس يَصفونها بأنها "قلب البلاد النابض"، فكل "ذايحٍ" غريبٍ هو إنسانٌ يبحث عن حياة، وهذه المدينة – كما وصفها أحد الكتاب – "لم تخذل أحداً من قبل"، منحت الحياة مرةً تلو الأخرى.. فهل جفت منابعها؟ هل استنزفت كل حياتها في سبيل الجميع؟ هل بذلت كل شيء في سبيل.. لا أعلم في سبيل ماذا، لا أعلم، كل ما أعلمه أن المدينة لم يبقَ فيها شيء...

كاتبٌ آخر من هذه المدينة، كاتبٌ رائعٌ ارتبط بالمدينة وكأنه كان دماً يجري في عروقها كما كانت هي تجري في عروقه، أذكر أنه تحدث عن الارتباط بالمكان، بأن هذا ليس شيئاً حقيقياً، نحن لا نرتبط بترابٍ وشوارع ومبانٍ، نحن نرتبط بالآخرين، نُحب المدينة لأنها تُحب من نُحبهم، ولأن من نُحبهم يُحبوننا فيها ونحبهم فيها. ولأجل ذلك أقول بأن المدينة لم يبقَ فيها شيء، لأننا لم نعد نستطيع أن نحب بعضنا البعض فيها، لم نعُد نستطيع أن نفعل أي شيءٍ فيها سوى الاستمرار في الوجود في داخلها، الوجود في داخل حصنٍ آمنٍ وقع تحت الحصار، تناقصت فيه مؤن المشاعر الإنسانية، تفشت فيه أمراض الحقد والأنانية، حصنٌ أصبح سجناً، بل أصبح قبراً جماعياً كبيراً يختبئ فيه الموتى في بيوتهم، يخرجون في "لحظات" الهدنة لشراء الخبز، يُسرعون عبر الشوارع المليئة بأسراب الرصاص ليزوروا بيتاً هنا أو هناك، ثم يهرعون عائدين إلى بيوتهم الآمنة، وفوق كل شيء، لا يتحدث الموتى مع بعضهم البعض، لا يتجادلون في السياسة، لا يتناقشون في الأيديولوجيا، ولا يسألون حتى عن الأخبار، فهم يسمعونها طوال اليوم تنفجر في أرجاء المدينة "على الهواء مباشرةً"... لقد أدركنا جميعاً حقيقة بعضنا البعض، وأصبحنا نَفِرُّ من بعضنا البعض بالصمت...

وهذه هي قمة المأساة.. فهذه المدينة التي أصبحت مقبرة لا يعيش فيها فقط الموتى، بل يعيش فيها أيضاً القتلة...

كنا نفخر كل الفخر بأن أهل المدينة مشهورون بالصفة الحميدة النبيلة تلو الأخرى، فماذا نفعل الآن بكل هذا العار وكل هذا الخجل؟! ماذا نقول حين يحارب الأخ أخيه؟ حين يقتل أبناء العمومة بعضهم بعضاً؟ حين يحرق الجيران بيوت بعضهم البعض؟ ماذا نقول حين تنتشر الجثث ويغزو المدينة ذباب الموتى، ماذا نقول عن "رباية الذايح" التي أصبحت تحتضن الجثث والموت والدماء؟ أين نهرب من أنفسنا اليوم؟ أين نهرب من حاضرنا؟ وأين نُخفي ماضينا الذي اتضح أنه كله كذبٌ في كذب، كله خداع، كله أوهام، لا أخلاق، ولا نبالة، ولا ثقافة، ولا احتضان، ولا رُقي، ولا شيء، مُجرَّدُ حُلُمٍ خيالي عن وهمٍ قديم: كانت مدينتنا... لا، لم تكن مدينتنا شيئاً، لم تكن مدينتنا شيئاً فهاهي اليوم تحترق، هاهي اليوم يسير الرعب في أرجائها ويُغلق المساجد والمدارس والمستشفيات بالموت الأحمر، ويحرق البيوت في طريقه لإشعال فتيل قنبلةٍ أهلية، مأساةٍ اجتماعية، كارثةٍ إدراكية كشفت حقيقة أهل هذه المدينة، وكشفت حقيقة تراب المدينة الذي يُزرع كل يومٍ بأظرف الرصاص الفارغة ويُسقى بدماء أبناء هذه المدينة... فهل ستُنبتُ هذه البذور مستقبلاً مُشرقاً؟! أم أنها ستُنبتُ مقبرة؟!

أنا من مدينةٍ لم تكن، ويبدو أنها لن تكون في يومٍ من الأيام...

أنا من بنغازي...

الثلاثاء 18-11-2014   

الخميس، 21 أغسطس 2014

آن أن تستريح...



بالكلام الفصيحْ
وبكلِّ الوضوحْ
هكذا أنتَ يا صاحبي،
وإلى أبدٍ عابرٍ.. في الضريحْ
أنتَ لا تستسيغُ هدوءَ الزمانِ،
ولا تستطيعُ المكانَ المريحْ
قَلِقٌ أنتَ كابنِ الحسينِ على سَرْجِ ريحْ
أنجبتكَ البراكينُ يا صاحبي
مِن جراحِ المسيحْ
واصطفتكَ الأعاصيرُ ترنيمةً
لعذابِ النبيِّ الجريحْ
إنما ملكُ الموتِ يا صاحبي يدَّعيكْ
فاقترح ميتةً
قُل لنا شهوةَ الموتِ فيكْ
قُل لنا يا سميحْ
واحكِ عن حيرةِ القبرِ،
من موقعٍ أنتَ مَهَّدْتَهُ
ثمَّ بدَّلتَهُ
ثمَّ غيَّرتَهُ
ثمَّ حيَّرتَهُ
وإلى موقعٍ مُضَمرٍ لم يزلْ
في مكانٍ جميلْ
من أعالي الجليلْ
حسناً. هكذا. آن أن تستريحْ
يا صديقي سميحْ
بعد طولِ الصراعِ وعُنفِ الوداعِ وعُسْر الجدَلْ
آن أن تستريحْ
من عذاب الملَلْ
يا أخي. يا ابن أمي. ويا ابن أبي،
يا سميحْ!!

سميح القاسم


وُلد 11- مايو - 1939 واستراح 19- أغسطس- 2014 وسيبقى إلى ما لانهاية...


همسةٌ مُستجابة...

ورقٌ.
ورقٌ سيدي.
إنه ورق.
أشتهي ورقاً للكتابة سيدي
لم يعد ثمَّ مُتسعٌ فوق جلدي العتيقِ
كتبتُ عليه طويلاً
وندوب الجراح القديمة، تلك سطوري
ليقرأها الناس لو يقرأُ الناسُ جيلاً فجيلاً
سيدي. وثقوب سجائركَ المُطفأَهْ
فوق جلدي، نقاطكَ فوق حروفي
وإيقاعُ أغنيتي المرجأهْ

* * *
ورقاً. سيدي
أشتهي ورقاً للكتابه
كي أعيد الكتابه
أن موتي دُعابه..


ورحل سميح القاسم... رحل آخر شاعرٍ حقيقي في عالمنا العربي.. فارسٌ آخر في ركب اللغة العربية يسقط مع حصانه.. نبي شعرٍ آخر تُختم رسالته.. شيخٌ صوفيٌّ آخر يتلو ورده الأخير، صلاته الأخيرة، قصيدته العظمى، حياته الكبرى... يوقعها بموته: سميح القاسم. تنطفئ الأضواء في عالمه، ويُشعل سيجارةً في الظلام.

حين قرأتُ الخبر يوم الثلاثاء (19-أغسطس-2014)، حين قرأتُ الخبر، حين قرأتُ الألم، أصبح العالم أكثر ظلاماً.. أكثر اختناقاً.. أكثر قسوةً.. أكثر وحشةً.. فجأةً هكذا وفوراً: تغير العالم من حولي وفي داخلي.. تغير كل شيء... حاولت فوراً أن أتذكر كل تلك القصائد، كل تلك المقطوعات، كل تلك الكلمات التي كنتُ أنسخها على قصاصات الورق، أحملها في جيبي إلى كل مكان، وأحفظها فأحملها في صدري إلى كل مكان.. حاولتُ تذكُّر كل ما أحفظه له: ولكنني لم أستطع.. لعل حفظ أشعاره بروحي لم يكن سليماً، لعل روحي كانت مشغولةً وقتها بالنواح لا بالتذكر، لعل أشياءً كثيرة، ولكنني فقط لم أتذكر.. ووحيداً هكذا، واقفاً دون أشعاره وقصائده، غمرتني موجة الألم.. استخرجتُ بعض دواوينه، أردتُ أن أقرأ، ولكنني لم أستطع، لم أستطع أن أفعل شيئاً سوى أن أكتم الدموع في عيني: توقفي هنا تماماً.. توقفي فلن يُجدي البكاء في شيء، ولن ترحمه دموعي، ولن ترحمني أنا أيضاً.. الدموع ستكون فقط سؤالاً ممن حولي: ما الذي حدث؟!

وكيف أستطيع أن أقول لهم أنا أبكي على رحيل رجلٍ لم أقابله يوماً؟ كيف أقول لهم أنني أبكي على رحيل شاعر، فقط شاعر، مُجرَّد شاعر، شاعرٌ في زمنٍ تافهٍ انعكست فيه قيمة الأشياء، كيف أقول لهم أنني أبكي شاعراً وحسب؟ وكيف أستطيع أن أقول لهم بأن هذا الرجل البعيد، هذا الشاعر، يعني لي الكثير، يعني لي أكثر مما يعنيه بعض مَن هم حولي، أناسٌ أراهم أمامي ولا أقرأ كلماتهم فحسب، أشرب معهم القهوة ولا أقرأ عنها في قصائدهم، كيف أستطيع أن أقول لهم: هو بالنسبة لي أكثر، أكثر من كثيرٍ منكم، أكثر بكثير... وكيف تشرح لهم بأن رحيل هذا الرجل يؤلمك بعمقٍ حقيقي وأنت تدرك أنهم سيقولون لك: العالم غارقٌ في الحرب والقصف والموت، وأنت تبكي رحيل شاعر؟!

كيف كل هذا الصراع مع العالم من حولي؟ وماذا يجدي؟ وماذا تجدي الدموع؟ وماذا يجدي أي شيء أمام كل هذا الرحيل، كل هذا الفراق، كل هذا الألم...

الأحد، 18 مايو 2014

فصل في الجحيم...


بالإمسِ، إن لم تَخُنِّي ذاكرتي، كانت حياتي وليمةً تتفتح فيها جميعُ القلوب، وتنسكبٌ فيها جميعُ الخمور.

ذاتَ مساءٍ، أجلستُ الجمالَ على ركبتيَّ – فألفيتُهُ مُراً – وشتمتُهُ.

تسلحتُ ضد العدالة.

وهربتُ. أيتها السواحرُ، أيها الشقاءُ ويا أيها الحقدُ، إليكم عُهِدَ بكنزي!

أفلحتُ في أن أُزيلَ عن فكري كُلَّ رجاءٍ إنساني. وفي اتجاهِ كُلِّ فرحٍ، قمتُ، كي أخنقَه، بالوثبةِ الصامتةِ للحيوانِ المفترس.

ناديتُ الجلادينَ لأعضَّ، فيما أهلكُ، أخامص بنادقهم. ناديتُ الآفاتِ لأختنق بالرمل والدم. كان الشقاءُ إلهي. تمددتُ في الوحل. تَنشَّفتُ في هواء الجريمة. ولعبتُ للجنونِ ألاعيب.

ثم جاءني الربيعُ بضحكةِ الأبله المُنفِّرة.

ولكن لما كنتث ألفيتُني مؤخراً على أُهبةِ إطلاقِ النشاز الأخير، فأنا فكرتُ في البحث عن مفتاحِ الوليمةِ القديمةِ التي قد أسترجعُ فيها شهيتي.

الرأفةُ هي ذلك المفتاحُ – هذا الإلهامُ يُثبتُ أنني حلمتُ!

"ستظلُّ ضَبعاً، إلخ"، كان يهتفُ الشيطانُ الذي تَوَّجَني بخشخاشاتٍ بالغة اللطافة. "حُزِ الموتَ بكلِّ ما لديكَ من شهية، بأنانيتكَ وجميعِ الكبائر".


أرثر رامبو.
من (فصل في الجحيم).

كلماتٌ قرأتها، فأحسستُ وكأنها قصيدةٌ حارة بكاها بنغازينو: صرخةٌ مجنونةٌ من وسط جحيم بنغازي تنعى جنةً كانت بنغازي... فمن منا اليوم لم يلعن الجمال، ويحارب العدالة، ويتحالف مع الشيطان بلامبالاة، وبالأمر الواقع، وبالبلاد ماشية هكي، وهي جت عليَّ أنا؟!!! من منا اليوم لديه بقيةٌ من رجاء تُنقذه من مجاعة اليأس... من منا اليوم لم يُمزِّق ذكرى الفرح، وينثرها مع رياح الحقد... من منا ما يزال جالساً على مائدة الحب؟! من منا لم ينتقل، بمسدسه، وكلاشنكوفه، وغضبه، وألمه، وكل جراحه إلى مائدة الأنانية...

ومن منا مازال يكترث بأي شيء؟!


قصيدةٌ أخرى في ديوان رثاء ليبيا...

وفينا الخصام، ونحن الخصم والحكم، والجاني والضحية، والجريمة والألم...